قراءة في مسرحية «حكاية من وادي الملح» لمحمد مهران السيد (3 ـ 4)
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
..........................
لقد كان من الواجب أن يثور الشعب(27) حتى تُرَدَّ لأخنوم حقوقه، ولكن ذلك لم يحدث، لقد وقفوا يتفرّجون على الراوي وهو يقص مأساة "أخنوم"، ويتعجبون كيف وقف فلاح في وجه وزير الفرعون!
وتراوحت المواقف العملية بين السلبية التي تتعلّل بالفقر وهموم المعيشة، ويمثلها قول أحدهم:
صوت: أصحابَ عيالٍ كنا ، وهمومْ
هلْ راقَ البالُ لنشغلَ أنفسَنا بالغيْر ؟
منْ دارِكَ للحقْلْ
أوْ منْ حقلِكَ للدَّارْ
في هذا الزمنِ الحادِّ الأَبْصارْ !(28)
فأصحاب هذا الصوت يتعللون بانشغالهم بأمور العيش التي تُثقل الظهور، وخصوصاً أن أية كلمة مرصودة من البصاصين. فالحكمة تتطلّب منهم أن يكونوا من بيوتهم إلى حقولهم، أو من حقولهم إلى بيوتهم، حتى يأمنوا على نفوسهم وأسرهم وحياتهم.
والبعض من هؤلاء السلبيين يُرجعون المأساة إلى انشغال الناس بأمور الدنيا، وسخط الآلهة عليهم، كقول الفلاح "بنت":
بنت: ما يجْري الآنْ
أحسبُهُ منْ سَخَطِ الآلهةِ عليْنا
فالناسُ انشغلوا بأمورِ الدُّنْيا
وتناسوْا آلهةَ الأجْدادْ
تتثاقلُ يا صاحبُ خطواتُ الساعينَ إلى المعْبدْ
وكأنَّهمو يمشونَ إلى الموْتِ ووادي الظُّلُماتْ
نبْخلُ إنْ ذكَّرَنا الكاهنُ بالقربانْ
نحتجُّ بضيقِ الرزقِ ، وشُحِّ الأيامْ(29)
والبعض منهم ـ وهؤلاء أشدهم سوءاً ـ يرون أن "أخنوم" قد كفر، لمجرّد رفع الصوت في وجه الحاكم، ومنهم الفلاح "بتاح" الذي يقول:
بتاح: إنِّي أرى أخنومَ قدْ ضَلَّ السبيلْ
ولقدْ كَفَرْ
إذْ كيف يجرؤ فلاَّحٌ تساوى بالرقيقْ
أنْ يرفَعَ الصوتَ الذَّليلْ
في وجْهِ هذا السيِّدِ المحفوفِ بالإجلالِ والمجْدِ العريقْ(30)
إن رفع الصوت ـ عند "بتاح" ـ خطيئة كبيرة، لن تمر بسهولة، فمن يقف أمام الفرعون يُدان في محكمة الموتى، وينهش جسده الوحش الرابض تحت الميزان، فلا ينبغي أن يدافع أحد عنه، وإلا فمصيره سيكون كمصير "أخنوم"، ولذا يهيج متهماً "بيبي" بالجنون لدفاعه عن "أخنوم":
بتاح: (.. في هياج)
لكنْ بيبي يا إخوهْ
قدْ سلكَ الدَّرْبَ الملعونْ
وتقودُ خطاهُ الأرواحُ الشرِّيرهْ
مأفونٌ يتبجَّحُ ليُدافعَ عنْ مأفونْ
سيُدانُ بمحْكمةِ الموْتى
إذْ يتخلَّى عنْهُ القلبُ ويشهدُ ضدَّهْ
وسينْهشُهُ الوحشُ الرّابضُ تحت الميزانْ(31)
أما الموقف الثاني فقد كان موقف الأقلية، الذين تحرّكوا لمساندة الزوجة والأم في هذه المحنة بتقديم الطعام لهما، وبث وعي التمرد لأنه البديل للفناء أو للحياة التي تُشبه الموت:
بيبي: يتعجّبُ إخوتُنا إذْ أسألُ ما موْقفُنا منْهْ ؟
فيقولُ بتاحْ:
هلْ نبعثُ جيشاً ليفُكَّ إسارَ الفلاحْ ؟
توت: (إلى بتاح)
هلْ تسخرُ منهْ ؟
بيبي لمْ يُخْطئْ
بلْ يأنفُ أنْ نرْضَخَ ونُطأْطِئْ
بيبي: (في صوت عميق)
ضيْعةُ رنسي في منصفِ الدربِ إلى أهناسْيا
فإذا انكمشَ الواحِدُ منا كالقنفذْ
وتداخلتِ الأعضاءْ
ورأى أنَّ الأمرَ قضاءْ
.. لابدَّ وأن ينفَذْ
أوْ كوَّمَنا الخوْفُ ، وآثرْنا الإغْضاءْ
وتهامسْنا في الحَلَقاتْ
ووراءَ الأبوابِ الموصدةِ عليْنا في الأكْواخْ
كنّا ، وسيمضي الدهرُ ، ونحن نرى الأشياءْ
تتبدَّلُ أوْ تتحوَّلُ أو تتلاشى
بأوامرَ يُصدرُها الكَهَنهْ
وسليلو الآلهةِ المعصومونَ من الأخْطاءْ
أوْ ذاكَ الجيْشُ من الأتْباعْ(32)
إن محمد مهران السيد ينتقد من خلال ذلك القناع التاريخي مواقف الشعب من هزيمة 1967م التي تراوحت بين السلبية، أو إرجاع الهزيمة إلى بعدنا عن الله، أو إلى عدم نقدنا الزعماء المخلصين .. هذا من جهة ومن جهة أخرى رأينا بعض الآراء التي تُنادي بمراجعة كل شيء، ومحاسبة المتسببين عن الهزيمة، حتى يمكننا إعادة البناء على أسس سليمة.
وكما انتقد محمد مهران السيد موقف الشعب انتقد موقف الثوار (الحكام) المستفيدين من الثورة، والذين أوصلوا البلاد إلى الهزيمة المرة في 1967م. فما هذه الصورة التي قدّمها من خلال القناع التاريخي؟
إنه يُصور فزع الحكّام من أي صوتٍ ناقدٍ، إنهم يرون في أي صوت منتقد صوتاً بغيضاً خافتاً مثل صوت صرصور، وقد يتركونه يتكلّم حتى يموت يأساً!
أوتي: هذا الصرصور
عبْدٌ منْ آلافِ عبيدِكَ لا أكثرْ
فاصرفْ ذهْنَكْ عنهُ ، ولا تحْفلْ
دعْهُ بجوْفِ السردابِ المُظْلِمْ
يصْرُخُ ملْءَ الشِّدقيْنِ ، ويمضي كالمحْمومْ
فغداً ييْأَسُ ، أوْ يسقطُ إعْياءً أو يغلبُهُ النَّوْمْ(33)
لكن مثل هذه النظرة قاصرة، فالتمرُّد يعني أن الشعب حي، وأن نبض الحياة لم يخمد فيه، وأنه يُقاوم، ويحلم بغد أفضل.
لقد كان الحكام يفزعون من أي نقد يوجّه إلى مكاسبهم، نفهم ذلك من بوح "ياي" أحد الأعيان:
ياي: أفنيْتُ حياتي حتى تمتدَّ جذورُ الشَّجَرهْ
وسندْتُ الجذْعَ الليِّنَ حتى لا تحملَهُ الريحْ
أوْ تتقصَّفُ تلكَ الأغصانُ اللدْنهْ
لوْ هزَّتْهُ يدْ
وزجرْتُ الطَّيْرَ عن الثمرِ الناضجِ ، لمْ أبْخلْ بالجُهْدْ
ولكمْ مارسْتُ البطْشَ ، وكُدْتْ
ولكمْ رغَّبْتُ ، ومنَّيْتْ
(يصمت برهة)
نحنُ العشراتْ
منْ أبناءِ الجيلِ الأوّلْ
ممّنْ أرسيْنا عرشَ الأُسْرهْ
أوْرثْناكمْ هذا المجْدْ
بالعرقِ وبالكدّْ
وأقمْنا بالتضحيةِ المُرَّهْ
أُسَراً تنتشِرُ على جنباتِ الوادي
هيَ خيْرُ مُعينْ
لسليلِ الآلهةِ الفرْعونْ
بلْ هيَ قلْبُ الحكْمِ النابضُ ، ويداهْ
تخفضُ أوْ ترفعْ
تُعطي أو تمْنعْ
ولهذا ما للقدرِ النَّافذِ منْ سُلطانْ
بلْ هي صانعةُ الأقْدارْ(34)
إنه يُمثِّل "أصحاب المصالح" الذين يفزعون من النقد، ويقلقون، وتدهمهم الأحزان لأنهم يخافون أن يفقدوا مكاسبهم، ولهذا يقول بعد المقطع السابق:
فلماذا لا أفزعُ أو أقلقً أوْ …
تدهمُني الأحزانْ ؟(35)
ولا يختلف موقف الأعيان الآخرين من موقف "ياي"، فحوار "تاتا" و"أوني" يُشير إلى الواقع الذي عاشته مصر قبل سنة 1967م، وأوصلنا إلى الهزيمة. إن الحوار يُعرِّي الطبقة الحاكمة، ويُظهر على لسانها نظرتها إلى نفسها، ونظرتها للشعب:
تاتا: لسنا عطلاً من ومضاتِ الفكْرِ الثَّاقِبِ
أوْ إحكامِ التَّدبيرْ
بلْ نحنُ أخيراً فرسانُ الكلمةِ والمضْمارْ
يعرفُنا الناسُ بوجْهيْنا: الليِّنِ والجامدْ
نلبسُ ألفَ قِناعٍ في اليومِ الواحدْ
ولنا ما شِئنا، لا ما شاءتْ هذي الغوْغاءْ
(يصمت لحظة)
ولنا في ذلك باعْ
وتمرَّسْنا .. حتى صرنا خبراءْ
أوني: (يفرك يديه متملقا)
أنتمْ صفوةُ هذا المجتمعِ الزَّاهرْ
وبكمْ تتكاثرُ أشجارُ الجميزِ وتخضرّْ
.. يتزايدُ طمْيُ النيلْ
وتفيضُ الأجرانُ بما تُطْلِعُهُ التربةُ منْ خيْرْ
تمتلئُ صوامعُ كلِّ الناسِ بما تهبونْ
(صمت)
بلْ أنتمْ روحُ الأربابِ الساهرةِ على مصْرْ
منْ يدخلُ في رحمتكمْ يسْعَدْ
أما المتمرِّدُ ، والجاحدُ ، والمُلْحدْ
فهناكَ الأقبيةُ الرَّطْبهْ
وهناك سياطُ الخفراءِ المتشعّبةِ الأطْرافْ(36)
ويتفق أعوان النظام وأعداؤه على فضحه، فها هو أحد أعوان النظام في المقطع السابق يصف الحكم بأنه سبب الرخاء وصانعه في مصر، ويُهدِّد المتمرد بالسجن والعذاب البدني، وهاهو "تاتا" يُرينا وجهاً آخر للنظام، وهو قيامه بالكذب، وعدم مصارحة الشعب بالحقيقة، واعتماد النظام على الدعاية، وند أي بادرة تمرد يُقام على المتمرد الحدُّ:
تاتا: فلنُغرقْهمْ في أخبارٍ متلاحقةٍ وأقاويلْ
هذا ما يسْتهوي الناسْ
ولنسْتلم الآذانَ المفْتوحةَ ليْلَ نهارْ
نزْرعُ فيها ما شِئْنا منْ إغْراءْ
ومآثرَ ، أوْ إصْلاحاتْ
نخدعُهْم بتسرُّبِ بعْضِ الأنباءْ
ولدى الشيءِ التّافِهْ
نحلفُ ، ونسوقُ الأعْذارْ
ونُمجِّدُ روحَ النَّقْدْ
ولدى الأزماتِ نُريهمْ كيْفَ يقومُ الحدْ
(ثم في تمهل الواثق)
فلديْنا الأتْباعُ ، وجيشُ المنتفعينَ من الأبْواقْ(37)
(يتبع)