المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي مح



د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:08 PM
أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل
-------------------------------------------------------------

أغنيات

قصص قصيرة

(الطبعة الأولى)


محمد جبريل
***
الإهداء

إلى محمد زكريا عنانى

***


" ليست الموسيقا ـ فى الواقع ـ إلاّ منصة وثب نطلق من عليها العنان لأهوائنا العاطفية الخاصة ، لتحريك ذكرياتنا العاطفية ، أو سلسلة من التداعيات ، تعمل الموسيقا باعتبارها مجرد خلفية ، وليس باعتبارها شيئاً نصغي إليه " .
جون هوسبرز

***


* أغنية للمهد *
.....................

كان جدى يروى لنا الحواديت . لا أذكر أن أبى روى لنا حدوتة ، أو حكاية . إنما هى ملاحظات سريعة عن مشاهداته فى العمل ، أو فى الطريق . ننصت إليه ونحن جلوس حول مائدة الطعام . لم تكن أمى تتحدث إلينا بغير الشخط والنطر ، فلا حكايات ، ولا حواديت ، ولا ترنم بأغنيات . الزاد الذى كنا نلجأ إليه ـ فضلاً عن حواديت جدى ـ هو حكايات بابا صادق ، ثم بابا شارو ، فى برامج الأطفال بالإذاعة ..
المرة الوحيدة التى غنت فيها أمى لنا أذكرها جيداً . لامست الإسكندرية تأثيرات الحرب العالمية الثانية . وكنا نعانى الخوف من أصوات المدافع المضادة للطائرات . استعدت أمى وأختى للهبوط ـ ذات ليلة ـ إلى المخبأ القريب . أصر أبى ـ كالعادة ـ على أن نظل ـ أخى وأنا ـ فى الشقة ، فالرجال لا يلجأون إلى المخبأ . علا صوت المدافع ، فأجهشنا بالبكاء . تراجعت أمى عن النزول ، واندست فى الفراش بيننا . همس صوتها ، ثم علا ، بالأغنية :
خد البزة واسكت .:. خد البزة ونام
أمــك السيـدة .:. وأبوك الإمام
وأبوك سعد باشا .:. طالع للأمام
ونمنا .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:11 PM
* الثأر *
.........

حى بحرى هو هذه المنطقة التى تمثل شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية . لا يزيد ـ طولاً أو عرضاً ـ عن كيلو متر واحد . مظهره الأهم غلبة الروحانية . ثمة الجوامع والمساجد والزوايا والصوفية وحلقات الذكر والموالد وغيرها مما يسم الحياة فى بحرى باختلاف مؤكد ، ليس عن بقية أحياء الإسكندرية فحسب ، وإنما عن بقية المناطق المصرية جميعاً . شهر رمضان ـ بالطبع ـ جزء من تلك الروحانية التى تدين لها طفولتى ـ ومحاولاتى الإبداعية فيما بعد ـ بالكثير . الصيام ، صلاة التراويح ، تلاوة القرآن ، المسحراتى ، الكنافة ، القطايف ، حالو ياحالو ، الياميش ، الأضواء ، الفوانيس ، الليل الصاحى ، النهار المتثائب ، السبح ، الأعصاب المنفلتة ، واللهم إنى صايم ، الطرشى ، الفول المدمس ، اللب ، الفول السودانى ، التسالى ، الإذن للأطفال بالسهر مدى شهر كامل ، تقييد الشياطين والجان ، اختفاء العفاريت ..
كنا نسهر إلى موعد السحور . نحمل فى أيدينا ـ عقب الإفطار ـ فوانيس زجاجها ملون ، مصنوعة من الصفيح ، وتضئ بالشمع . أفضل من فوانيس هذه الأيام التى تضئ بالبطارية ! . دعك من وفرة الأمان فى الفوانيس الحالية . ارتعاشة الشمعة قد تحمل الخطر ، لكنها تحمل الحميمية فى الوقت نفسه . نقف أمام دكاكين الحى ، نلوح بالفوانيس ونغنى :
الدكان ده كله عمار وصاحبه ربنا يغنيه
يهبنا صاحب الدكان من الملاليم ما يدخل السعادة إلى نفوسنا ، ربما أضعاف ما نشعر به ونحن نأخذ هبات فى المناسبة نفسها ..
قد يرفض صاحب الدكان ، ويطردنا ، فتعلو أصواتنا :
الدكان ده كله خراب وصاحبه ربنا يعميه
ونجرى ..
وكنا نسلى أنفسنا بما نسميه " شكل للبيع " . ألجأ إلى رشاقة جسدى ـ باعتبار ما كان ـ فأقفز على عنق أحد المارة ممن نتوسم فى ملامحه طيبة . يسقط الرجل ـ بتأثير المفاجأة ـ من طوله ، ويخرج الأولاد من مكامنهم ، وفى أيديهم العصى ، ينهالون عليه بضربات سريعة ، مؤلمة ، ويختفون قبل أن يفيق الرجل من الصدمة ..
تكررت اللعبة ، وطالت عصينا أجساد الكثيرين . مجرد شقاوة عيال يشغلها التسلية وغير المألوف ، وليس إحداث الأذى ..
ثم جاء اليوم الذى كان ينبغى فيه أن ندفع الثمن : قفزت على عنق شاب صعيدى ، ولحقته عصى الأولاد فى سقوطه على الأرض ، واختفينا ـ كالعادة ـ قبل أن يحاول رد ضرباتنا ..
نفض الشاب ثيابه ، ومضى .. وعدنا إلى شكل للبيع وغيرها من الألعاب : الاستغماية ، عنكب يا عنكب ، نطة الإنجليز ، أولها اسكندرانى إلخ ..
قبل السحور ، كان التعب قد هدّنا . جلسنا متجاورين على رصيف الشارع الخلفى لجامع سيدى على تمراز . يغنى أحدنا ، ونردد وراءه ونحن نهز الرءوس :
وحوى يا وحوى .. إيوحه .. وكمان وحوى .. إيوحه ..
فاجأت أولنا ركلة قدم قاسية طوحت به فى قلب الشارع . تزامنت صرخة الولد مع صرخاتنا ، ونحن نتلقى الركلات السريعة المفاجئة من قدم الشاب الصعيدى . أوهمنا أنه مضى بعيداً ، لكنه ظل ـ فى صبر ـ حتى جاءت اللحظة التى اختارها ، فثأر لنفسه !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:11 PM
* طقس *
..........

ليلة العيد ..
تصنعها الأضواء على مئذنة سيدى على تمراز ، وعلى واجهات الدكاكين ، والأبواب المفتوحة ، والصيحات ، والنداءات ، والزحام ، وغياب شخطة أمى : يا مقصوف الرقبة ، وسهر الأولاد إلى موعد الصلاة ، وترديدهم للأغنية التى تسبق عيد الفطر :
يا برتقال احمر وجديد .. بكرة الوقفه وبعده العيد
أو الأغنية التى تسبق عيد الأضحى :
بكره العيد ونعيد .. وندبحك يا شيخ سيد
والشيخ سيد ـ كما تعلم ، أو لا تعلم ـ كناية عن خروف العيد ..
أميز ما فى الليلة كلها أغنية أم كلثوم التى تدعو بطول العمر للملك فاروق . فلما قامت الثورة استبدل باسمه اسم محمد نجيب . فلما مضى نجيب آثرت الدعاء للنيل ..
نعد أنفسنا للذهاب إلى تياترو أحمد المسيرى . يقام فى أرض خلاء بشارع التتويج ، لا أذكر موقعها الآن ، وإن أذكر السرادق الضخم ، يقف على مسرحه الخشبى ـ فى بداية العرض ـ مجموعة المغنين ، يرددون فى صوت واحد :
يا للى زرعتوا البرتقان .. ياللا اجمعوه .. آن الأوان .. ياللا .. ياللا ..
تعيد المجموعة أداء الكلمات نفسها فى نهاية العرض ، بعد فقرات من الغناء والرقص وأفعال السحر والديالوجات القصيرة والتهريج ..
يخلو ـ عقب صلاة العيد ـ ميدان الخمس فوانيس المواجه للجامع من المصلين والحصر . يتسع سوق العيد فيملأ الساحة والميدان والشوارع والحوارى المتفرعة ..
نسلم أنفسنا إلى يدى أمى ، تلبسنا زى العيد . ثم ننزل ـ أخى وأنا ـ إلى سوق العيد ..
ألمح سيارة التاكسى على تقاطع إسماعيل صبرى ورأس التين . استحث أخى لركوبها . وسيلة فسحة من العيد للعيد . تفتح أبوابها حتى تمتلئ تماماً . ينحشر فيها الأولاد . تتداخل الرءوس والأجساد والأيدى والأقدام . يجد السائق صعوبة فى إغلاق الأبواب ، ويهمل صراخ الأولاد من الزحمة الخانقة . يحاول أن يجد لنفسه موضعاً أمام عجلة القيادة . يمضى من رأس التين إلى سراى الملك ، ومنها إلى طريق الكورنيش بمحاذاة شاطئ الأنفوشى ، فالميناء الشرقية . يميل من شارع إسماعيل صبرى ، حتى الناصية التى بدأ منها . مجرد ومضات وملامح سريعة ، يتاح لى أن ألتقطها . وربما لا يتاح لى رؤية أى شئ . إنما هو ما ينتزع قوله الأولاد الذين يطلون ـ بالضرورة ـ من النوافذ ..
يفتح السائق الأبواب . يتفكك الأولاد الذين تحولوا إلى كتلة بشرية واحدة . يركب ـ بدلاً منهم ـ أولاد آخرون ، وهكذا ، إلى ما بعد منتصف الليل ..
فى اليوم التالى ، أنسى الزحمة ، وكتمة النفس ، وأسابق أخى والأولاد إلى السيارة الواقفة ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:12 PM
* لك حبى *
.............

أقف بين أبى وأخى فى الشرفة المطلة على شارع إسماعيل صبرى . وقفت أمى وأختى للفرجة فى نافذة غرفة النوم المجاورة . الشاحنات الإنجليزية القادمة من رأس التين ، أو من داخل الدائرة الجمركية ، فى طريقها إلى خارج الإسكندرية . الناس وقوف على الأرصفة وأبواب الدكاكين والمقاهى ، ويطلون من الشرفات والنوافذ والأسطح ..
قال أبى :
ـ ليست نتائج معاهدة 1936 سيئة كلها ، فهاهم الإنجليز يخرجون ..
الأيدى مدلاة على الجانبين ، والأفواه صامتة ، فلا تعبير عن الوداع ، أو حتى إبداء الفرحة ، بخروج قوات الاحتلال . الصمت السادر ينعكس فى الملامح حيادية متوترة ، فيما عدا تعليقات أو شتائم هامسة ، ربما خوفاً من أن يبوظ الفرح ، مع أن عساكر الإنجليز لا يعرفون العربية ..
يعلو صوت من داخل دكان الرويعى الترزى :
بلادى بلادى بلادى .. لك حبى وفؤادى
يكرر الصوت الكلمات بمفرده . يرددها الواقفون من حوله . يمتد انفراج الشفاه بالكلمات ، ويتسع . تتحرك الأيدى تعبيراً عن المعنى . يغيب الفهم عن الجنود ، وإن انعكس التحول فى ارتباكهم . يتبادلون النظرات المتسائلة ، القلقة . وتتقلص أيديهم على البنادق فى توقع لا يدركون بواعثه ..
لم يحدث التصرف رد فعل بين الآلاف على الجانبين . ظلوا حيث هم فى النوافذ والشرفات والأسطح ، وفى الطريق ، وإن لم تخفت أصواتهم بالنشيد !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:13 PM
* بيع وشراء *
.................

لا أذكر كيف ، ولا لماذا ، أحببت عملية البيع والشراء . ربما لأنى كنت أتابع عم عبده فى دكانه الصغير ـ قبالة البيت ـ وهو يبيع الحلوى والسجاير . أحببت الفصال ، والأخذ ، والرد ، وصل على النبى ، وزيد النبى صلا ، وبين البايع والشارى يفتح الله ، واتوصى شوية ، والله يبارك . طقوس تبدأ ، ولا تنتهى . تشكل دنيا البيع والشراء التى أتابعها من موضعى خلف النافذة المطلة على دكان عم عبده ..
طلبت من أمى أن تثبت مؤشر الراديو على الأغنيات ، سواء ما تقدمه إذاعة القاهرة ، أو إذاعة الشرق الأدنى ، خلفية لنشاطى التجارى الذى شغل أسفل السرير النحاسى الكبير فى حجرة أبوى . مجلدات من مكتبة أبى ، وعلب أحذية فارغة من الورق المقوى ، أصفها فى هيئة طاولة الدكان . أضع فوقها البسكويت والبونبونى . أدخر ثمنها من مصروفى . حتى الإفطار ، أعتذر عن عدم تناوله فى البيت . تعطينى أمى المقابل قرشين أو ثلاثة ..
أثابر فى جلستى المنحنية . زبائنى هم خالتى وأخواى . يشترون بالأجل حتى يخلو الدكان تماماً . أريح علب الأحذية ، وأفرد جسدى الذى طال تقوسه . أرد على السؤال بموعد البيع ثانية :
ـ ربما غداً بعد أن آخذ مصروفى ..
أحببت البيع والشراء ، فنسيت ـ أو تناسيت ـ ما كنت أدينهم به من قيمة البضاعة القديمة !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:13 PM
* يا حلو يا اسمر *
.....................

استمعت إلى الأغنية مرة وحيدة أمام الطاولة الرخامية ، تعلوها قدرة الفول ومقلاة الفلافل . وثمة مائدتان صغيرتان لصق الجدار المواجه ، يحيط بهما ثمانية مقاعد ، وفوق الرف المثبت فى نهاية المكان جهاز راديو ، تتناهى منه أغنية عبد الحليم حافظ :
يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر
لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أستمع فيها إلى أغنية عبد الحليم . ولم تكن ـ بالطبع ـ هى المرة الأخيرة . ربما يذكرنى باللحظة تنبهى إلى كلمات الأغنية . بدت سخيفة وبلا معنى . مجرد كلمات مرصوصة تخفّت فى لحن جميل وصوت عذب ..
أدركت المأزق الذى نحياه فى قول عم ربيع البائع وهو يعدنى بنتيجة حائط للعام الجديد :
ـ علشان الزباين اللى بيشتروا مننا دايماً !
كانت أسرتى ـ لظروف مفاجئة ، وقاسية ـ قد أصبحت بعض هؤلاء الزبائن الدائمين . ألفنا المكرونة ، والأرز ، وتقطيع البطاطس إلى شرائح فى صلصة الطماطم ، وقلى الباذنجان . أصبح الفول طبقاً رئيساً . ربما نزلت بالكسرولة الفارغة إلى دكان عم ربيع أكثر من مرة فى اليوم الواحد ..
غلبنى الحرج . أزمعت أن أقصد ـ فى المرات التالية ـ دكاناً آخر فى الشوارع القريبة . الصداقة بينى وبين عم ربيع ، أو الكسل ، أو اعتبارات لا أذكرها ، أو لا أفهمها ، عادت بى إلى الدكان . تكرر حملى لكسرولة الفول ، وعودتى بها . أسلم نفسى لشرود . لا آخذ من عم ربيع ـ كما ألفت ـ وأعطى . أغتصب الإجابة إن ألح بالأسئلة .. لكننى ـ فى لحظة لا أذكرها ـ أعطيت انتباهى للأغنية التى كنت أحفظ كلماتها دون أن يشغلنى معناها ، وصلت الأحرف بالكلمات بالسطر الشعرى . غاظنى الثوب الفضفاض على جسد يعانى الهزال ..
أستمع إلى أغنية النيل فى أى مكان ، فأنتقل إلى دكان عم ربيع بائع الفول . تلك هى اللحظة الوحيدة التى تذكرنى بها الأغنية .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:14 PM
* مدرسة للغناء *
...................

كتبت ـ مرات كثيرة ـ عن قهوة فاروق . تأثيرها المهم على الحياة السكندرية ، وعلى نظرتى ـ شخصياً ـ إلى الكثير من الأمور . ذلك ما يبين ـ على سبيل المثال ـ فى رباعية بحرى وقاضى البهار ينزل البحر وزمان الوصل وموسوعة بحرى وغيرها . قهوة فاروق ملمح أهم فى سيرتى الذاتية " حكايات عن جزيرة فاروس " . تعلمت من أغنيات الفونوغراف التى كانت تنبعث منها ـ فى أوقات الليل ـ ما أضاف إلى وجدانى . استمعت إلى أغنيات عبد الوهاب وأم كلثوم والأطرش وعبد الحى وليلى مراد وغيرهم من نجوم الغناء آنذاك . كانت أصواتهم أشبه بالمدرسة التى تعلمت فيها الغناء ، وأحببته ..
عم أحمد الفكهانى ، مدرسة أخرى أضافت إلى وجدانى ..
أحببت الغناء فى صوته . الكلمات نفسها ، أو ما يشبهها ، ذكرتها فى " حكايات عن جزيرة فاروس " . عربته المحملة بأقفاص الفاكهة ، فى ناصية الشارع الخلفى الفاصل بين بيتنا وجامع سيدى على تمراز . يبدأ البيع ، والغناء ، فى الصباح . لا أعرف الموعد تماماً لأنى وقتها أكون فى المدرسة . ربما ناوشتنى أغنياته وأنا ألعب فى حوش المدرسة ، فأرددها بينى وبين نفسى . أعود بعد صلاة الظهر . يتناهى غناؤه وأنا أقترب من الباب الرئيس للجامع : زغلول يا بلح .. لا تين ولا عنب زيك .. فيومى يا عنب .. خد الجميل يا قصب .. ياللى الهوا هزك يا مشمش ..
أتأمل معنى الكلمات ، وطريقة الغناء ، وتلون نبرات الصوت . رغم التباين مع الأغنيات التى أستمع إليها فى البرنامج الإذاعى بابا شارو ، فإن الإحساس بالنشوة نفسه يتملكنى ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:14 PM
* كوارع *
............

صحبنى أبى إلى شارع الميدان . اخترقنا الزحام وروائح السمك والشواء والقلى والفلفل الأسود والشطة والبخور ..
تأمل أبى ، وقلّب ، وفاصل . حملت ما اشتراه : سجق اسكندرانى ، وجبنة بيضاء ، وزيتون ، وموز ، وبرتقال ، ومخللات ..
بدا دكان الكوارع خالياً إلا من حامل خشبى ، تترامى منه أغنية كارم محمود : يا حلو ناديلى .. وشوف مناديلى ..
تكومت الكوارع على عربة يد أمام الدكان ، وانشغل البائعان المتقابلان فى وقفتهما برش الماء على الكوارع ليضفيا عليها طزاجة تسر الناظرين ..
سأل أبى عن ثمن زوج الكوارع ..
اتجه أحد الرجلين إلى الآخر بنبرة متسائلة :
ـ إيه تمن الجوز ؟
قال البائع الثانى :
ـ 18 صاغ ..
وهو يومئ برأسه ناحية أبى :
ـ وعشان الرجل الطيب ..
ـ 16 صاغ ..
ـ وعشانه كمان ..
ـ 14 صاغ ..
ـ وعشان ..
قاطعه :
ـ يبقى بخسارة ..
عدنا بالكوارع إلى البيت . اقترح أبى أن نؤجل الغداء لتكون الكوارع هى طبق اليوم ..
بعد ثلاث ساعات أو أربع ، بدأ تسللنا إلى المطبخ ، نتناول ـ من النملية ـ حبات زيتون أو قطعة جبن ، أو ثمرة فاكهة ..
ظلت الكوارع ترفض النضج على نار وابور البريموس ، حتى علت أشعة الشمس ـ فى غروبها ـ أسطح البيوت المقابلة ..
أطفأت أمى البريموس ، ودعتنا إلى استكمال ما كنا بدأنا فى تناوله من طعام النملية ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:15 PM
* خد بوسة *
...............

حموده موده خليك تقيل .. خد بوسه وانزل تبقاش سقيل ..
ظللت أردد كلمات الأغنية . أرتفع بالقرار ، وأهبط به . ألون فى المفردات ، والحروف ، وأمطها ..
تنبه أبى فى مجلسه فى الحجرة المطلة على الميناء الشرقية ، إلى الكلمات التى كنت أدندن بها . تبين معنى مفرداتها ..
ـ أين استمعت إلى هذه الأغنية ؟
ـ فى السينما ..
كنت قد صحبت عم إبراهيم زوج خادمتنا دهب إلى فيلم " صاحب بالين " بسينما استراند . لم أعد أفلت فرصة مصاحبته إلى السينما ، منذ شاهدت معه أول فيلم سينمائى " ليلى بنت الفقراء " بطولة ليلى مراد وأنور وجدى ..
ما بقى فى ذاكرتى مشهد شكوكو وهو يصعد على سلم خشبى إلى شرفة تقف فيها سعاد مكاوى .. قال لها : حمودة فايت يا بنت الجيران .. ياوردة بيضا فى حزمة ريحان [ أتذكر الأغنية رغم مضى عشرات الأعوام على سماعى لها ] وغنى شكوكو : إدينى بوسة .. أنا زى اخوكى .. ناولينى ناولى .. يا بنت الجيران ..
ردت عليه سعاد مكاوى بالكلمات التى خلوت إلى ألعابى وأنا أرددها ..
رمق أبى عم إبراهيم ، اللائذ بالصمت والتأدب ، بنظرة متأملة :
ـ الولد صغير على مثل هذه الأفلام ..
قال عم إبراهيم فى لهجة معتذرة :
ـ إنها مجرد أغنية .. ومحمد صغير كما قلتم ..
علا صوت أبى بالغضب :
ـ لا تعد إلى هذا ثانية !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:15 PM
* كوسـة *
............

طلبت أمى أن أشترى لها أقتين كوسة . لم أكن أعرف الفرق بين أنواع الخضر . صحبت صديقى عادل الصبروتى إلى شارع الميدان ..
كان الوقت ظهراً ، وثمة ـ أمام الدكان أول شارع وكالة الليمون ـ زحام ونداءات وصيحات وروائح متداخلة ، ويترامى من راديو المقهى المجاور صوت محمد عبد الوهاب :
مين عذبك بتخلصه منى ..
تناول عادل " بقوطى " وبدأ فى اختيار ثمار الكوسة .
همس فى أذنى :
ـ ساعدنى فى قطع رءوس الكوسة ليخف وزنها ..
فاجأ البائع انشغالنا بما نفعل . أمسك بثمرة يتساقط منها ما يشبه الصمغ . وقال فى لهجة يشوبها الإشفاق على طفولتنا :
ـ انظروا كيف تبكى من أذيتكم لها ..
وأعاد الثمرة إلى موضعها :
ـ حتى الأغنية تعيب فعلتكم !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:17 PM
* الساعة ذات البندول *
............................

أمى تصغر أبى بسنوات عديدة . ألتقط من ذكرياتهما أنها كانت ـ لصغر سنها ، قبل أن يأتى الأبناء ـ تخاف الليل ، فهى تنتظره فى الشرفة المطلة على شارع إسماعيل صبرى . فإذا غلبها الخوف ، نزلت تنتظر مجيئه على كرسى البواب ..
لم يكن أبى يدخل مع أمى فى مشادة ما ، ولا يحاول توبيخها ، أو تشديد ملاحظاته عليها . حتى قسوتها الدائمة علينا ـ فرط حنان ، كما تفعل القطة حين تأكل صغارها ـ لم يكن يقابلها بغضب ولا ثورة . إنما هى ملاحظات مداعبة ، تخاطب الطفلة بأكثر مما تتجه إلى الزوجة ..
يرفض أبى ـ فى الأوقات التى تظهر فيها أمى اختلافها معه ـ أن يعطيها ما يعيدها إلى أهلها فى دمنهور :
ـ اعقلى .. وخليكى مع أولادك !
تصر ـ أحياناً ـ على أنها أخذت على خاطرها ، فهى لابد أن تعود إلى بيت أبيها . تتطلع إلى الساعة ذات البندول التى تتصدر جدار الصالة ـ تكرر المشهد ! ـ وتسأل :
ـ أليست هذه ساعة أبى .. اعطنى إذن ثمنها ..
يقول أبى فى ابتسامة مشفقة :
ـ أعطيت أباك ، وأعطيتك ، ثمنها مرات كثيرة من قبل ..
تهز كتفيها :
ـ لا شأن لى .. أريد ثمن الساعة ..
ـ لمحمد فوزى أغنية تقول : الساعة واقفة .. والا بتمشى .. سمعتك تدندنين بها .. غنها لى أصحبك بنفسى إلى دمنهور ..
ترافق ابتسامة نبرته المحرضة :
ـ غن لى .. غن لى ..
تزم أمى شفتيها ، كى لا تفلت منها ضحكة ، ثم تخلى للضحكة سبيلها ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:17 PM
* أنّـــا *
...........

تبدو فى ذاكرتى كطيف جميل . وأذكر أن أمى وجارات البيت كن يمتدحن محاسنها ، فلابد أنها كانت كذلك بالفعل . لا أدرى ـ حتى الآن ـ معنى الاسم ، وهل هو تعبير عن أصول غير مصرية ، أو أنه كناية التدليل لاسمها الحقيقى . ما أعرفه جيداً أن أنّا ، أو أبلة أنّا ـ كما كنا نسميها وندعوها ـ لم تكن مجرد جارة لنا ، ولا هى فقط صديقة لأمى ، لكنها كانت تقضى مع أمى معظم وقت غياب زوجها ـ الذى يعمل مهندساً فى كفر الدوار ـ عن البيت ..
كانت تهبط من شقتها فى الطابق السادس إلى شقتنا فى الطابق الثالث . تجالس أمى فى الحجرة المطلة على جامع سيدى على تمراز ، ويخوضان فى أحاديث تبدأ ولا تنتهى ..
ذات عصر ، اجتذبتنى فى حديثهما كلمات متناثرة عن الأرواح والجان والشياطين والعفاريت . عالم يلتف بضبابية المجهول والإثارة والخوف ..
تنبهت على صوت أمى :
ـ روح العب بعيد ..
لم تنجب . حدست أن هذا هو الباعث لأحاديث أنّا الهامسة مع أمى ، وتلبية عم أحمد البواب المتكررة لطلباتها بشراء ما تحتاجه من العطار ، أول شارع الميدان . والتقطت قول أمى لها : ربنا يطعمك ، فأنا أثق ـ الآن ـ أن أنّا كانت تعانى مشكلة عدم الإنجاب ..
ظلت الكلمات تناوشنى ، حتى وصلتها بكلمة " زار " التى تخللت أحاديث أمى وجارتها فى الأيام التالية ..
سرت حياة غير عادية بين شقق البيت . تعالت النداءات والصيحات والملاحظات والأسئلة . وهمست أمى ، تستأذن أبى ـ وهو يعد نفسه للخروج فترة العمل المسائية ـ كى تصعد إلى شقة أنّا .
ـ خير ؟
ـ أبداً .. حاجاملها فى قعدة زار ..
ـ زار ؟.. من إمتى بتحضرى الحاجات دى ؟
ـ أهى مجاملة .. قالوا لها لابسها جان ..
وربتت كتفه وهى تودعه :
ـ قالوا لها كده ..
اندسست ـ فى المساء ـ وسط لمة النساء والأطفال والشموع وأريج البخور والدم المسفوك . ارتفع إيقاع الدفوف والطبول ، واهتزت الأرض والجدران بدبيب الأقدام والرقصات المحمومة ، وتعالى صوت الكودية :
قادوا الشموع لماما . الشمع بات سهـران
وندهت السيـدة زينب .. رئيسة الديـوان
يا شيال الحمول يا متولى شيل حمّة العيان
يا شيخ العرب يا سيـد يا ندهة المنضـام
فرشوا الأرض لماما بالفــل والريحـان

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:18 PM
* 11 فبراير *
.................

اعتدت ـ فى تلك الأيام من كل سنة ـ رفع الأعلام والزينات والأضواء على واجهات البيوت ، وفى شوارع الإسكندرية وميادينها ، وحول البلانسات والفلايك فى المينا الشرقية ، وانطلاق الصواريخ الملونة فى منطقة السلسلة ، وتعالى صفافير البواخر فى المينا الغربية ..
قال لى أبى إن ما يحدث هو احتفال بميلاد كل مواليد فبراير .. وأنا واحد منهم !
صدقت ما قاله أبى . ووجدت فى الاحتفال بعيد ميلادى ـ ولو مع مواليد الشهر نفسه ! ـ دافعاً للتباهى بين زملائى فى مدرسة البوصيرى الأولية ..
تأملت أغنية يقول مطلعها : أهو جانا حداشر فبراير . سألت أبى عن التاريخ .. لماذا حدد فى يوم بالذات دون بقية أيام الشهر ؟
لم يجب أبى . اكتفى بابتسامة صامتة ..
أعدت السؤال على جميل أفندى مدرس اللغة العربية . قال :
ـ 11 فبراير هو عيد ميلاد الملك .. والأغنية والاحتفالات من أجله !
كتمت فى داخلى إحساساً بالخذلان ، وأزمعت ألا أصدق أبى فى كل ما يقوله لى !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:18 PM
* أغنيات الفطرة *
.....................

كنا نصحب أبى ـ بعد ظهر كل خميس ـ إلى دمنهور . نستقل الأوتوبيس من ميدان المنشية ، أو القطار ، من ميدان المحطة إلى شارع الصاغة ، ومنه إلى أبو الريش . نقضى الليلة فى بيت جدى . الباب الخشبى ذو الضلفتين ، يفضى إلى طرقة مبلطة ، وعلى اليمين حجرة تطل نافذتها الحديدية على الطريق . يصعد السلم الحجرى إلى طابقين . يضمان أخوالى وأبناءهم . تخلى لنا جدتى شقة الطابق الثانى ، فوقها السطح . الفرن وعشش الطيور . ننط الحبل ، أو نلعب السيجة ، فى مساحة الأرض المبلطة المتبقية ..
نسأل عن اللبن ، تبعث به إلينا خالتى نبوية ـ أخت جدتى ! ـ من بيتها فى الشارع الخلفى . بيت ريفى ، طابقه الأسفل للماشية ، والعلوى للبشر . يطالعك ـ بمجرد دخوله ـ امتزاج روائح أنفاس البشر والحيوان وروث البهائم والحطب ..
نترقب خيرى ، ابن خالتى نبوية ـ ابن خالة أمى ـ يسبقنا إلى الغيطان ، خلف وابور النور . نتمشى فى ضوء القمر ، أو يأخذنا إلى أحد الأفراح التى كانت تقام ـ فى العادة ـ ليلة الخميس . نشاهد رقصات الغوازى ، نستمع إلى أغنيات الفطرة ، أى تلك التى ألّف كلماتها ، ولحنها ، مجهول ، فهى تنتسب إلى الفن الشعبى . أذكر ـ مازلت ـ أغنيات : ياللى ع الترعة حود ع المالح .. و : ادلع يا رشيدى على وش الميه .. أو : رمان التوب يا ليلى .. وغيرها ..
كان اهتزاز القطار أو الأوتوبيس يدفع بالقىء إلى معدتى الحساسة . لكننى كنت أترقب الرحلة إلى الحياة المغايرة ، وأعانى حزناً معلناً حين يقرر أبى ـ لظرف ما ـ إرجاء السفر إلى الأسبوع التالى ..
صحوت ـ ذات ليلة ـ على وقع أقدام ، ونداءات ، وعبارات محذرة ومشفقة ..
كانت أمى تميل على طست أوسط الحجرة ، تفرغ ما فى جوفها ..
ظللت مستيقظاً حتى بعد أن صعدت أمى على السرير المقابل ، وجرعت ما وضعه أبى فى يدها من أقراص أدوية ..
تناهى صوت أبى بالقلق وهو يقول فى تأثر :
ـ لم يكن من المفروض أن تتناول عشاء دسماً ..
أضاف فى قلقه :
ـ مرض القلب يتطلب عشاء خفيفاً ..
عدنا إلى الإسكندرية قبل ظهر اليوم التالى . اشتد المرض على أمى ، فلم تعد تتحرك من سريرها ..
توالت الأشهر دون أن نسافر إلى دمنهور . ومضت ـ بعد رحيل أمى ـ أعوام كثيرة . لكن تظل فى ذاكرتى تلك الأيام البعيدة : شرب الحليب ، المشى فى الغيطان ، سماع أغنيات الأفراح . أستعيدها ، وأتمنى أن أعيشها ثانية ..
تملكتنى نشوة وأنا أضمن روايتى " ياقوت العرش " ـ الجزء الثانى من " رباعية بحرى " ـ أغنية : ياللى ع الترعة حود ع المالح .. قلبى مستنى من ليلة امبارح .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:19 PM
* تعديـدة *
............

خديجة توفيت ..
كتب أبى البرقية ذات الكلمتين . بعثت بها من مكتب التليفونات بشارع فرنسا ، إلى جدتى وأخوالى فى دمنهور ..
سبق صوات جدتى صعودها ـ فى مساء اليوم نفسه ـ على سلم البيت . وصل أخوالى فى اليوم التالى . أصر أبى أن نذهب إلى مدارسنا ، فلا نقعد فى البيت . لم تكن الجنازة ـ بعد عودتنا من المدارس ـ قد شيعت بعد . استضافنا عم عبد السلام الحلاق ، فى دكانه أسفل بيتنا ، حتى مضت الجنازة إلى مقابر العامود ..
العادة أن يقتصر العزاء على ثلاثة أيام ، ثم تذهب الأسرة ـ فى الخميس الأول ، وفى أيام الخميس التالية ـ إلى العامود لزيارة الميت . حتى ذكرى الأربعين ، ثم الذكرى السنوية . ذلك هو الطقس الذى تحياه الأسر المصرية فى أعقاب وفاة أحبائها ..
حين عرضت جدتى أن تودع المعددات أمى بكلماتهن الباكية ، امتزجت ـ على وجه أبى ـ مشاعر الضيق والرفض والغضب . كيف يقبل إنسان مثقف ذلك التصرف السخيف ؟
طال اللجاج ، والأخذ والرد .. لكن رأى السيدة الريفية انتصر لتقاليدها ..
افترشت المعددات ـ لا أدرى من أحضرهن ! ـ غرفة القعاد المطلة على المينا الشرقية ، والتصقت أردية السواد بالجدران ، وبين الأثاث . اختلط النحيب والصوات ودقات الدفوف . لا أتابع الكلمات ، ولا أعى معانيها ، لكنها تفرض فكرة الموت ـ فى داخلى ـ بتصورات قاسية .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:19 PM
* هات القزازة *
...................

لم يكن مضى سوى دقائق على تلاقى أذان الفجر فى أبو العباس والبوصيرى وعلى تمراز . حذرنا أبى من فتح الباب . ظللنا فى حجرتنا نغالب النوم والمفاجأة . تبينت صوت شوقى عويس . توقعت نفحة مادية : عشرة قروش ، أو خمسة وعشرين قرشاً ، يقدمها لنا ـ من وراء أبى ـ فى زياراته المتباعدة ..
بدت العصبية فى صوت أبى :
ـ أى خدمة يا شوقى أفندى ؟!
سبقنا أخى فى النزول من السرير . فتحنا باب الحجرة الموارب . كان شوقى عويس يقف بقامته الطويلة ، الممتلئة ، على باب الشقة ، وأبى فى منتصف الصالة . وثمة ضوء شحيح من اللمبة السهارى فى مدخل الطرقة إلى الحمام ، احتوى الرجلين والكتب والأوراق التى ينشغل بها أبى حتى مطلع الفجر ..
كان أبى يحرص على القميص والبنطلون إلى انتهائه من الترجمة . ثم يستبدل بها البيجامة ، ويتهيأ للنوم ..
لم يكن شوقى عويس فى الهيئة التى اعتدت رؤيته فيها . نزع الجاكت وألقى به على كتفه ، وفك رباط العنق ، واتسخت ياقة القميص المفتوحة بلون كالدم ، بينما أطل الزر من مقدمة الطربوش ، وما يشبه القىء على بوز الحذاء . وكان يضع على صدره أكياساً مغلقة ..
تقدم ناحية الترابيزة ، ووضع الأكياس المغلقة ـ أصلح بيئياً من بلاستيكات هذه الأيام ـ وقال فى صوت مترنح :
ـ صحى العيال علشان نعمل زمبليطة !..
سحب كرسياً وجلس . وجلس أبى فى الناحية المقابلة . تكلما عن دمنهور وأسعار القطن وأحوال الزراعة وأخبار أهل أمى فى أبو الريش وزيارات الرجل المتكررة إلى الإسكندرية . كان شوقى عويس يطلق ضحكات متقطعة ، ويتجشأ . وكان الاستياء ، وربما الغضب ، واضحاً على ملامح أبى ، فهو يعانى فى مجرد الرد على أسئلة الرجل ، مجرد الدردشة الكلامية ..
كان أبى يحدثنا ـ عقب كل زيارة للرجل ـ عن قرابته لأهل أمى ، وأنه يحيا على ميراث من الأموال والعقارات والأرض الزراعية ، ينفقه على إقامته وسهراته فى الإسكندرية ، فلا يتردد على مدينته دمنهور إلا ليحاسب مستأجرى الأرض الزراعية والعقارات وأثمان بيع المحاصيل .. وكان أبى يشدد علينا ، فلا نأخذ منه أو نعطى ، ولا نقبل منحه المادية ..
وعلا صوت شوقى عويس مدندناً :
هات القزازة واقعد لاعبنى ..
وأعاد الدندنة وهو يلون صوته ..
طلب أبى من أختى أن تعد حجرة الضيوف ، وأمرنا ـ بنظرة من عينيه ـ أن ندخل حجرتنا ..
صحوت على صوت اصطفاق الباب . حدست لرؤية حجرة الضيوف المفتوحة ، وانهماك أبى فى كتابة كلمات على ورقة كراسة ، أن الرجل ترك البيت ..
همس أبى :
ـ انت صحيت ؟
ونزع الورقة من الكراسة :
ـ ابعت التلغراف ده قبل ما تروح المدرسة ..
أعاد لى موظف التلغراف ورقة الكراسة :
ـ قول لابوك عم سليمان ما يقدرش يبعت تلغراف زى ده .. أبوك بيقول لواحد ماتزرناش وانت سكران ..
وعلا صوت عم سليمان محذراً :
ـ لما اشوف أبوك حاطلب منه يقول للراجل الكلام ده بينه وبينه !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:20 PM
* عروسة وعريس *
.......................

العريس كانت هى تسمية جار الطابق الثانى فى البيت المقابل ، والعروسة كانت هى تسمية زوجته .
سهرنا إلى قرب الصباح نطل على الأضواء والزينات والأغنيات والزفة السكندرية الشهيرة : صلاة النبى .. صلاة النبى .. مالحة فى عين اللى ما يصلى على النبى ..
لم تتبدل تسمية العروسة والعريس منذ صبحية الزفاف ، حتى أنجبا البنين والبنات . لم نكن نعرف اسمها أو اسمه . عرف التقاليد بأن ينتسب الأب إلى أكبر أبنائه فيسمى " أبو فلان " ، وتنتسب الأم إلى أكبر الأبناء فتسمى " أم فلان " ، حتى ذلك العرف نسيناه .
ظلت تسمية العريس والعروسة ـ رغم تقضى الأعوام ـ هى التى ترددها أفواهنا !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:20 PM
* الحياة *
...........

أول أيام العيد ..
أشعة الشمس تغيب ـ فى ذلك الصباح الباكر ـ وراء البنايات المحيطة بالمكان ، وتغيب الملامح الحقيقية . فى مواجهة محطة الترام مستشفى دار إسماعيل للولادة ، تلاصقها مقابر العامود . الحياة تجاور الموت . جهاز الراديو فى دكان بائع العصير ، على ناصية الميدان ، يضعنا ـ بالأغنيات التى يعلو بها ـ فى قلب المناسبة . ليست أغنيات بذاتها ، لكنها عن العيد ، وللعيد : القرنفل لعبد الحليم حافظ وفاطمة على .. الحلوة دى قامت تعجن م البدرية لشافية أحمد .. الورد جميل لأم كلثوم .. يا صباح الخير ياللى معانا لأم كلثوم أيضاً .. أغنيات اعتادت الإذاعة تقديمها فى صباح ذلك اليوم ، وألفتها ـ فى ترددى على مقابر العامود ـ على مدى ثلاثة أعوام أو أربعة ..
يمسك أبى برسغينا ـ أخى وأنا ـ ويمضى إلى داخل المقابر . رائحة التراب تتصاعد بحركة أقدامنا ، وعلى الجانبين أحواش مفتوحة ومغلقة ، وشواهد رخامية ، ونبات صبار ، ومتسولون ..
يقف أبى أمام باب منزوع المصراعين ، عليه لافتة : مدفن حسن جبريل . يلقى أبى السلام على الصمت ، ويدخل . الفناء الصغير أشبه بصالة مكشوفة ، والجدران تساقط طلاؤها ، وتآكلت بتأثير ملوحة البحر القريب ، وموضع النافذة خلا إلا من الحلق الخشبى . المستطيل الحجرى ـ أعرف أن أمى ترقد تحته ـ يتوسط الفناء . يدور أبى من حوله وهو يردد الفاتحة وقصار السور ، ونحن نكتفى بالتطلع الساكن ..
يتجه أبى ناحية الباب . يطيل الوقوف فى المساحة الصغيرة على يمين المدخل . يعيد ترتيب قطع الحجارة التى سجى جثمان أخى الأصغر تحتها . ثم يقرأ الفاتحة وقصار السور ..
تبحث يدا أبى عن رسغينا ، ويمضى نحو الباب الخارجى ..
يطالعنا الميدان بزحامه ، وصخبه ، والأغنيات التى يذيعها الراديو ، تنقلنا إلى فرحة العيد .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:21 PM
* سباق القوارب *
.....................

أشار أبى إلى الطاولة التى كان يجلس إليها عم حسونة غباشى ، وقال :
ـ أين الرجل ؟
قال الجرسون عطية :
ـ هزيمة قوارب السيالة أمام قوارب رأس التين ألزمته البقاء فى القزق ( ورش المراكب ) ليصنع قارباً يصعب تجاوزه !
نشأت الصداقة بين أبى وعم حسونة فى توالى اللقاءات ـ صباح كل جمعة ـ أمام مقهى المهدى ، أسفل بيتنا . ينتظران خطبة الشيخ عبد الحفيظ إمام جامع سيدى على تمراز ، تجتذبهما كلمات الرجل ضد الإنجليز والسراى وأحزاب الأقلية . لا تشغله تحذيرات وزارة الأوقاف ، ولا تهديدات السلطة القائمة . آلاف المصلين يملأون صحن الجامع وخارجه . جموع من البشر يفترشون ميدان " الخمس فوانيس " وأجزاء من شوارع رأس التين وسراى محسن باشا وإسماعيل صبرى وفرنسا .
من يضمن رد الفعل لو أن الأوامر صدرت بنقله أو إسكاته ؟
كان عم حسونة غباشى فى حوالى الخامسة والأربعين . أميل إلى البدانة . فى وجهه استدارة تهبه طفولة واضحة . مشط شعره الخفيف بامتداد الرأس ليدارى صلعته . تدلى طارفا شاربه على جانبى فمه . له طريقة مميزة فى نطق الكلمات . يغلب التلعثم على نطقه ، فيصعب عليه التعبير عن نفسه . تتداخل الكلمات فى غمغمات غير مترابطة ..
كان معظم حديث عم حسونة عن سباق القوارب . يجيد الانتقال من أحاديث خطب الشيخ عبد الحفيظ والسياسة والانتخابات والحرب الكورية إلى سباق القوارب . يعد له أبناء رأس التين والسيالة فى امتداد العام ، يبذلون كل قدراتهم لصنع قوارب تخوض السباق فى أول أيام عيد الفطر . يفوز أحدها بالمركز الأول ، فيحمله الرجال على رءوسهم ، وتعلو أصواتهم بالغناء . إذا كان القارب للسيالة ، ردد الرجال :
قفة ملح وقفة طين على دماغ راس التين
وإذا كان القارب لرأس التين ، ردد الرجال :
سيالة يا سيالة ياللى ما فيكى رجاله
صحبنى أبى ـ ذات عصر ـ إلى ورش القزق ، ما بين سينما السواحل وقبالة شارع الحجارى . بلانسات ولوتسات ولانشات وقوارب وفلايك . جديدة ، وقديمة يجرى إصلاحها ، وهياكل خشبية ، وروافع ، ومناشير هائلة ، وأدوات نجارة ..
لم يخف عم حسونة ـ فى ترحيبه بأبى ـ تأثير المفاجأة ..
رنا أبى إليه بنظرة مودة :
ـ هل خاصمتنا ؟
ـ أنت أعز الأصدقاء ..
ـ إذن خاصمت الشيخ عبد الحفيظ ؟
ـ لو كنت صوفياً لاعتبرته قطبى ..
ـ فلماذا انقطعت عن صلاة الجمعة فى على تمراز ؟
ـ أصلّى فى جامع طاهر بك بالحجارى . قريب من القزق ..
ثم بلهجة أسيفة:
ـ لابد أنك عرفت ما حدث . لن أضيع دقيقة حتى أصنع القارب الذى تعجز عن ملاحقته كل قوارب رأس التين !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:23 PM
* الفتـوات *
...............

عرفت ـ من أحاديث أبى ـ أسماء فتوات الإسكندرية : حميدو الفارس وأبو خطوة والسكران والنجرو وغيرهم ..
أفدت ـ فى روايتى " الأسوار " ـ من حكاية أبى عن حميدو الفارس لما كبس طربوش محافظ المدينة على رأسه ، وأفدت ـ فى " رباعية بحرى " ـ من حكايات الفتوات : الإتاوات ، قيادة مواكب الزفاف ، المعارك الدامية ..
فى ذاكرتى أصداء من بقايا عصر الفتوات ، فى الموالد ، وسباق البنز ، وسباق القوارب ، ورقصة النقرزان ، ورقصة سيد حلال عليه ـ هذا هو اسمه ـ التى يتلاعب فيها بالعصا ..
فى ذاكرتى مواكب الزفاف : يتقدم الفتوة زفة العريس . يهتف : يا ما انت صغيّر ..
يستطرد الرجال الملتفون حول العريس : حلو يا عريس ..
وتتعالى الأصوات منغّمة : الحارس الله والصلاة على النبى .. العروسة بنت حارتنا وعريسها فنجرى ..
شاهدت ـ من شرفة بيتنا المطلة على ميدان الخمس فوانيس ـ آخر معارك الفتوات . حل الصمت إلا من تناثر الدماء ، وأصوات ارتطام الشوم بالرءوس والأجساد ، والصرخات ، والنشيج ، والأنات المكتومة ..
أسفرت المعركة عن قتلى وجرحى ، حملتهم سيارات الإسعاف إلى المشرحة ، أو إلى المستشفى ، ونقلت سيارات البوليس من تصادف وجوده بالقرب من المكان إلى قسم الجمرك ..
وانتهى عصر الفتوات .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:23 PM
* عفريت الليل *
..................

كنا ـ بمجرد ظهور الرجل فى أول الشارع ـ نترك ما بأيدينا من لعب ـ كرة شراب ، بلى ، استغماية ، طائرات ورقية ـ ونتجه ناحيته ..
تعلو أصواتنا : عفريت الليل بسبع رجلين ..
نكرر الكلمات منغمة ، والرجل ذو الأفرول المتسخ يرمقنا بنظرة صامتة ، لا تشى بتعبير محدد . يحمل العصا الطويلة ، الرفيعة ، فى نهايتها ما يشبه السلك النحاسى ، يصله بالمصباح المطفأ من خلال فتحة الحاجز الزجاجى ، فيضاء . تأخذ العملية ثوان قليلة ، ثم يواصل الرجل سيره فى خطوات مهرولة نحو عمود إنارة آخر ، وهكذا ..
كانت تسمية العفريت ظالمة ، فالرجل ضامر الجسد ، أسمر البشرة ، له عينان تداخلت فيهما الصفرة بالبياض ، وفم مفتوح تساقط معظم أسنانه . ولعل اتساخ أفروله ، أو لأننا لم نكن نراه إلا ليلاً ـ كان هو مبعث التسمية التى نضمنها كلماتنا المتعبة ..
استطالت ظلال الغروب ـ ذات يوم ـ ثم حلت العتمة . تنبهنا إلى عدم قدوم الرجل فى موعده
فى اليوم التالى ، ظلت المصابيح مطفأة . ثم طالعنا ـ فى اليوم الثالث ـ بشاب يمسك العصا الرفيعة ، ذات النهاية السلكية ..
تجرأت فسألته :
ـ أين ذهب الرجل ؟
ـ ربنا افتكره ..
وجرى فى اتجاه بقية المصابيح ..
كتمنا الكلمات التى اعتدنا غناءها . ربما لمفاجأة وفاة الرجل ، وربما لأننا خشينا رد الفعل فى ملامح الشاب الجامدة !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:24 PM
* الربيع *
............

قال لى صديقى ممدوح الطوبجى :
ـ هل استمعت إلى أغنية فريد الأطرش الجديدة ؟
هززت رأسى بالنفى ..
قال :
ـ احرص على سماعها .. أغنية جميلة عن الربيع ..
ممدوح الطوبجى زميلى فى المدرسة الفرنسية الابتدائية بمحرم بك . والدته المطربة نجاة على ووالده ضابط كبير بالقوات المسلحة . كانت زمالتنا فى مستوى الصداقة . وكنت ألجأ إليه فى قراءة الإصدارات الجديدة . أعارنى عودة الروح للحكيم ، وعمرون شاه لفريد أبو حديد ، ومن النافذة للمازنى ، وقصائد صلاح جاهين الأولى ، وأعمالاً أخرى كثيرة . نتناقش فى الكتب التى أستعيرها . نتفق ونختلف . تبدأ مناقشاتنا فلا تنتهى ..
الكرة التى صوبها ولد اصطدمت بأنفى كقذيفة ، فى وقفتنا ـ الطوبجى وأنا ـ تحت شجرة فى فناء المدرسة . أظهرت الغضب ، وحاولت أن أحتفظ بالكرة . أومأ الطوبجى برأسه كى أعيد الكرة فأتقى شر الولد ..
قال الولد وهو يأخذ الكرة :
ـ هات كده وانت وشك زى الديب !
صدمتنى العبارة بأشد مما صدمتنى الكرة . تسللت إلى دورة المياه . أطلت تأمل ملامحى فى المرآة : هل أشبه الذئب ؟
تركت مقعدى فى الترام ـ وأنا أعود إلى بحرى ـ للسيدة ذات الملاءة اللف . جلست وهى تمتدحنى :
ـ يا حبيبى .. ابن ناس بصحيح !
اتجهت إلى الناحية المقابلة ، كى لا ترى ملامح الذئب فى وجهى !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:24 PM
* هذا ما حدث *
..................

قال عم جعفرى :
ـ عند عودتك إلى المدرسة صباح السبت ، سأكون قد قرأت المجلة ، فأعيدها لك ..
كان عم جعفرى هو حارس مدرستى الفرنسية الابتدائية الأميرية . فى شارع جانبى قبل نهاية شارع المأمون . تختلف عن بنايات المدارس الابتدائية ـ ربما لأنها أولى المدارس الابتدائية التى جعلت من الفرنسية لغة أولى ـ بطابع القصر ، وبالفناء الواسع ، والفيلات الملاصقة ، والهدوء الذى يحيط بها ، ووجبة الغداء الساخنة ، نهبط إليها فى مطعم البدروم ..
كان عم جعفرى فى حوالى الخمسين . تشى لهجته بأصله الجنوبى . كنا نخطب وده بمناقشته فى الغناء الذى يحبه ، والأغنيات التى يستمع إليها فى الراديو الخشبى الصغير ، داخل غرفته المطلة على فناء المدرسة ..
لمح فى مجلة " المصور " ـ وأنا أتصفحها وقت الفسحة ـ إشارة إلى حفل فريد الأطرش ، فى تلك الليلة ..
قال :
ـ اعطنى هذه المجلة ..
اعتذرت بأنى اشتريت " المصور " لأبى ، وأنى ربما لا أجدها فى طريق العودة إلى بحرى ..
ارتسمت فى ملامح الرجل خيبة أمل واضحة . حدثنى عن الحفل الذى ينتظره ، والأغنية التى أعلنت الإذاعة أن الأطرش سيقدمها فى الحفل ..
لاحظ الرجل ترددى ، فقال :
ـ مجرد أن أقرأ استعدادات الحفل ونص الأغنية ..
قبل أن يسألنى أبى عن المجلة ، ادعيت أنى نسيتها فى المدرسة ..
قال أبى :
ـ المهم ألا تضيع !
طالعتنى ـ صباح السبت ـ حركة لم أعتدها فى المدرسة ، وزحام أمام غرفة عم جعفرى ..
فاجأنى الولد مرعى عبد المجيد بالقول :
ـ عم جعفرى مات ..
أضاف للذهول فى ملامحى :
ـ أغلق على نفسه من البرد . خنقه فحم المدفأة وهو يقرأ ويستمع إلى الراديو !
حين عدت إلى البيت ، سألنى أبى :
ـ هل أحضرت المجلة ؟
أدركت أن كرة الكذب الثلجية ستواصل التدحرج . قلت وأنا أتهيأ للبكاء :
ـ عم جعفرى مات ..
امتزج فى نظرة أبى عدم الفهم ، والإشفاق على ما بدا أنى أعانيه .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:25 PM
* زمـان *
........

لما أصر جيران الطابق العلوى على أن تغنى شقيقتى الكبرى فى السرادق المقام فوق السطح ، ووافق أبى ، أدركت أن هذه هى الفرصة التى طال ترقب شقيقتى لها . كانت تحب الغناء . تكتفى بالدندنة الهامسة . إن علا صوتها بالانسجام ، نهرها أبى : بس يا بنت !. بعد رحيل أمنا ، وجدت نفسها مسئولة عن البيت قبل أن تبلغ الرابعة عشرة . تنازلت عن الكثير من طموحاتها ، ومنها أن تمضى فى خطا ليلى مراد ، فتصبح مطربة مشهورة ..
كان أبى مثقفاً ليس بمجرد الحصيلة المعرفية ، وإنما باستنارة آرائه ، وإلحاحه الدائب على المثل الأعلى ، والأكثر جدوى لجماعة الناس . ولم يكن يخفى إشفاقه من المسئولية التى بدلت حياة شقيقتى فى سن باكرة .. لكن السير فى حقل الألغام المسمى " الفن " ـ هذا هو التعبير الذى يحضرنى ـ كان يزعجه . ألمح الإعجاب فى تعبيرات وجهه بدندناتها الآتية من المطبخ . فإذا تحولت الدندنة إلى غناء حقيقى ، أسكتها ـ من موضعه ـ بنبرة حاسمة ..
فاجأت أختى ـ وفاجأتنى ـ موافقة أبى على أن تغنى فى حفل الجيران . تصورت الحفل مناسبة لتقديم الصوت الجميل . ينصت إليه من يعجب به ، فيقتنع أبى بأن تسير فى الطريق إلى نهايتها ، وتصبح ـ كما كنت أتمنى ـ فى مكانة مطربتنا المفضلة ليلى مراد ..
وقفت فى آخر السرادق ، أنصت إلى غناء أختى : اتمخطرى واتمايلى يا خيل . أعتبر استعادة الحضور اعترافاً بجمال صوتها ، وإن لم يجاوز ما حدث حفلاً حضره بضع عشرات ، غالبيتهم من ربات البيوت والأطفال ..
تزوجت شقيقتى ، وأنجبت ، وعملت مدرسة فى ليبيا مع زوجها مهندس البترول . تزور الإسكندرية فى إجازة الصيف . نتذكر ما كان .
أقول لها مداعباً :
ـ لا أستغرب أن تكون ليلى مراد تآمرت عليك ، حتى لا تأخذى مكانتها !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:25 PM
* ليه يا بنفسج *
..................

كان أبى يحب الغناء القديم ، ويحب الأصوات التى تحرص على التطريب : أم كلثوم وعبد الوهاب وليلى مراد وهدى سلطان وشهرزاد وعباس البليدى ومحمد فوزى وغيرهم ..
كانت أحب الأغنيات إلى نفسه أغنية صالح عبد الحى : " ليه يا بنفسج بتبهج .. وانت زهر حزين " . يحدثنا عن دلالة الكلمات ، وجمال اللحن ، وعذوبة الأداء ، والتطريب . التطريب ـ فى رأيه ـ هو ما يميز الأغنية العربية ..
ظل أبى ينام على كرسى أعواماً طويلة . يجلس عليه ، ويسند ذراعيه على كرسى آخر . المرة الوحيدة التى تصور فيها أنه يمكن أن ينام على السرير لحقته أزمة الربو ، وأيقنت أمى أنه مات .
مثلما كانت طريقة نوم أبى غير عادية ، فقد كان نومه كذلك غير عادى . لحظات إغفاء متقطعة ، يصحو منها على ألم فى الكوعين ، أو الساعدين . يحركهما فى الهواء ، ويضع فنجان القهوة على السبرتاية وهو يدندن بأغنيات يحبها ، أذكر منها أغنية صالح عبد الحى ..
كان النوم يفاجئ أبى وهو فى طريقه إلى المطبخ ، أو إلى دورة المياه . يسقط من طوله . نصحو على صوت ارتطام جسده بالأرض . نفزّ من أسرّتنا ، ونجرى ناحية الطرقة . يلوح بيده وهو فى موضعه بما يعنى طمأنتنا . تمتد أيدينا ، تعينه على القيام . تكرر الأمر كالنسخ الكربونية . نصحو على صوت الارتطام . نجرى ـ يسبقنا التوقع ـ ناحية الطرقة ..
صرنا نفزّ من أسرّتنا لأقل صوت . نحدس أن النوم فاجأ أبى فى سيره . تعذّر ـ لظروفنا المادية السيئة ـ تنفيذ ما اقترحته أختى بأن نفرش أكلمة أسيوطى فى المسافة ما بين حجرة أبى والمطبخ ، آخر الطرقة ..
عرضت أختى أن تنام فى حجرة أبى . نومها خفيف ، فهى تصحو على حركة أبى بين حجرته والطرقة المفضية إلى المطبخ ودورة المياه ..
صحونا ـ ليلة ـ على ترنم أختى بأغنية صالح عبد الحى ، وصوت أبى يعلو بالثناء :
ـ لو مش عيب .. كنتى بقيتى مطربة قد الدنيا !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:26 PM
* فلسطين *
............

مع أنى لم أكن جاوزت العاشرة ، فقد أصخت السمع لتقديم المذيع ، وحديث الشاعر على محمود طه عن أغنيته الجديدة لفلسطين . كان المساء قد حل . هدأ صخب الطريق ، فيما عدا أصوات صفارات بواخر تترامى من الميناء الغربى ..
تحول إنصاتى لأحاديث أبى مع أصدقائه ، ومانشيتات الصحف ، ونشرات الأخبار .. تحول ذلك كله إلى متابعة شخصية ، هم شخصى . ربما توقفت أمام دكان بقالة أو علافة فى شارع الميدان ، لأن صاحبه يتبادل حواراً فى القضية التى شغلت الجميع . لم تكن الأسماء ولا الأحداث واضحة فى ذهنى تماماً ، لكن توالى الأحداث والأخبار والمناقشات جعل الصورة فى متناول العين : ثمة حرب قاسية يخوضها أبناء فلسطين ضد اليهود الذين تركوا بلادهم للإقامة فى القدس ويافا وحيفا وغيرها من المدن التى كان أبى يذكرها فى أحاديثه ، ويروى ذكرياته عن زياراته المتعددة لها . وأشار أبى إلى الأسرة اليهودية التى غادرت الطابق الثانى فى بيتنا إلى جهة غير معلومة ، وإن أعلن ثقته أن تلك الجهة هى فلسطين . وغلب على أحاديثه الاستياء والحيرة والألم لما سماه بيع فلسطين بلا ثمن . وألفت أسماء ومسميات الانتداب وترومان والدول الكبرى والحاج أمين الحسينى وشتيرن والهاجاناه وبن جوريون وحكومة عموم فلسطين وعبد القادر الحسينى شهيد معركة القسطل ..
قدم المذيع مؤلف القصيدة باسمه الشخصى ، وليس بصفة الملاح التائه التى كان قد عرف بها ، ربما لأن المناسبة تفرض الجدية . تحدث الشاعر ـ بصوت أتذكر إلى الآن نبرته ـ عن ظروف كتابة القصيدة ، واعتزازه باختيار عبد الوهاب لها . أما عبد الوهاب ، فقد اكتفى ـ فيما يبدو ـ بتلحين القصيدة وغنائها ..
أعطيت انتباهى لصوت محمد عبد الوهاب . من فصيلة مميزة ، امتدادها الأجمل عبد الحليم حافظ . فضلاً عن مراتب أقل ممثلة فى سعد عبد الوهاب وعادل مأمون وهانى شاكر , وغيرهم ، فلست أقصد الحصر ..
اجتذبنى اللحن . راقص بما يتيح له مرافقة أداء حفل رقص جماعى ..
أبديت ملاحظتى لأبى :
أخى أيها العربى الأبى أرى اليوم موعدنا لا الغدا
قال أبى :
ـ هذا هو عبد الوهاب .. لا تهمه الكلمات ولا المعنى بقدر ما يهمه اللحن ..
وابتدرنى بالسؤال :
ـ أغنية مين زيك عندى يا خضرة .. من خضرة هذه ؟
قلت بعفوية :
ـ بنت يعرفها ..
ـ أبداً .. إنها الراية المصرية الخضراء ، يخاطبها جندى فى طريقه إلى الميدان ..
وعلا صوت أبى فى تأكيد :
ـ هذا هو عبد الوهاب .. صوت ولحن .. أما المعنى فيلغيه غناؤه لخضرة .. ولفلسطين !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:26 PM
* هناك *
..........

الشجرة الهائلة ـ لا أعرف اسمها ـ تعلو تشابكات أغصانها إلى مستوى النافذة فى بيت عمتى بالمنيرة . يترامى ـ من موضع لا أتبينه ـ صوت تواشيح دينية وابتهالات ..
ـ هل يوجد مسجد قريب ؟
قالت عمتى :
ـ لا .. هذا مسجل فى بيت الشيخ محمد رفعت ..
ـ هل هو جاركم ؟
ـ مسكين .. يعانى مرض " الزغطة " ، ويسلى وقته بسماع القرآن والتواشيح والابتهالات ..
كانت أول مرة أسافر فيها إلى القاهرة بمفردى . لزمت موضعى فى المقعد الخشبى بقطار الدرجة الثالثة ، أعانى الهواء المحمل بالسخونة من النوافذ المكسورة ، والأقدام المدلاة من الأرفف ، واختلاط النداءات والصيحات ، وزحام الركاب داخل العربة المزدحمة ، ورائحة العطن ، وأرقب الخضرة المترامية على الجانبين ، والبيوت الصغيرة المتناثرة [ لم يكن المصريون الخليجيون قد بدأوا فى التهام بلادهم بالتبوير والتجريف ! ] وأعمدة التلغراف المتراجعة ..
قالت لى عمتى بلهجة حنون ، وهى تلحظ نظرتى التى تبدو متأملة للشجرة :
ـ واضح أن هذه الغرفة أعجبتك ..
أردفت ، دون أن تنتظر رداً :
ـ خلاص .. هذه هى غرفتك !
أصارحك بأنى لم أكن أتأمل الشجرة ، ولا أخذت بالى من الغرفة ، ولا على ماذا تطل ، ولا ماذا تضم من أثاث . كأنها انبثقت فى حلم ضبابى غابت تفصيلاته ..
كانت مخيلتى هناك ، فى بحرى ، مع أبى وإخوتى . وكان الشعور بالافتقاد يمضنى .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:27 PM
* البكاء *
...........

كانت عمتى تحب البكاء . تحزن فتبكى ، وتفرح فتبكى . وكان زوجها ينصحها بأن تترفق بصحتها فى زياراتها الدائمة للمآتم وأيام العزاء . فهى تبكى أكثر من أهل الميت . ربما تحول البكاء الصامت إلى نشيج . تصارحنا ـ بعد عودتها ـ أنها لم تكن تبكى الراحل الذى حضرت عزاءه ، ولم تكن تبكى راحلاً بالذات ، وإنما هى تبكى كل الراحلين . وأحياناً تبكى المناسبات الجميلة ، الفائتة ..
حين غنى فريد الأطرش ـ للمرة الأولى ـ أغنيته : بتبكى يا عين على الغايبين .. ودمعك ع الخدود سطرين .. بدا كأن عمتى قد وجدت ما يعينها على ممارسة عادتها الأثيرة . تسند رأسها إلى راحة يدها ، وتشرد فيما لا نتبينه ، ويتواصل بكاؤها حتى بعد أن تنتهى الأغنية . تستعيد الكلمات ، وتربط بينها وبين رحيل أعزاء : عمتى تفيدة التى قتلها السرطان فى سن باكرة .. جارة ارتفعت علاقتها بها إلى مستوى الأخوة .. أخوال وأعمام لها مضى على رحيلهم عشرات السنين .. أسماء كانت ترددها فلا أعرف أصحابها ، وإن كنت على ثقة أن عمتى أدرجتهم فى قائمة الأعزاء الذين تحرص فى كل مناسبة ـ وأحياناً بلا مناسبة ـ أن تذرف الدمع على رحيلهم..
ما كان يثير عجبى ، قدرة عمتى المذهلة على التحول من البكاء إلى الضحك . تعجبها النكتة التى تريد انتزاعها من إطار الحزن ، فتضحك . لا تمهيد للتحول من حال إلى حال مغاير . ربما تذكرت هى نفسها ما يدفع بالابتسامة ـ فالضحكة ـ إلى شفتيها . ثم تروى ما تذكرته ، وتوشيه بالألوان والظلال ، فتجتذب اهتمامنا ..
كانت عمتى سيدة مصرية .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:27 PM
* الجسد *
...........

عدت إلى بيت عمتى ذات مساء . رويت للجارة أم فاروق [ الاسم مستعار ] عن الفيلم الذى شاهدته فى سينما الأهلى . اسمه " الجسد " . بطولة هند رستم . المشاهد الصريحة والموحية ، والعبارات المكشوفة ، والهمسات ، والغمز بالعين ، والإشارة باليد ، والمعانى التى يصنعها الخيال ..
قالت أم فاروق التى كانت تكبرنى بأكثر من عشرة أعوام :
ـ تلاقى نفسك فى واحدة تمثل معاها فيلم زى اللى شفته ..
أردفت :
ـ عمك فرج ـ زوجها ـ ورديته بالليل ، وباكون متضايقة لوحدى . لو لقيت نفسك صاحى ابقى خبّط عليه ..
عبرت المسافة ـ على أطراف أصابعى ـ بين شقة عمتى والشقة المقابلة . نقرت الباب بطرقات هامسة . طالعتنى أم فاروق . ملامح زنجية ، وشعر أكرت ، منكوش ، وعينان تخالط الحمرة بياضهما ، وترتدى قميص نوم أسود ، مطرز بالدانتيلا ، يصل إلى فوق الركبتين ..
أقعدتنى على الكنبة فى واجهة الصالة ..
مالت على بأعلى صدرها تهم بتقبيلى ..
تراجعت إلى الوراء ، وأنا أضع يدى بين شفتى وشفتيها ..
قالت :
ـ مالك ؟
ـ أبداً .. أنا ماشى ..
كانت صورة الجنس أمامى ضبابية ، وغير واضحة ، ولم أكن أقمت علاقة ـ جاوزت الكلمات الدافئة ـ مع أية فتاة ..
مضيت ناحية الباب ، وصوتها المدندن يلاحقنى بسخرية :
حود من هنـا وتعال عندنا
ياللا انا وانت نحب بعضنا

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:28 PM
* نكتة *
.........

دخل أبى حجرتنا ذات مساء . كان فونوغراف قهوة فاروق ـ على ناصيتى إسماعيل صبرى والتتويج ـ يعيد ـ الرقم كبير لا أذكره ـ أسطوانة عبد الوهاب " كليوباترة " ، تخالطها أصوات الرواد ، ونداءات الجرسون ، وحركة الطريق ..
أسند أبى يده على طرف السرير . بدا أنه يريد التحدث إلينا . توقفنا ـ أخى وأنا ـ عن المذاكرة ، وتطلعنا إليه .
قال :
ـ أظن أنكم فى سن تسمح بأن أروى لكم نكتة للكبار فقط .
روى أبى النكتة . لا أذكرها الآن ، وإن كانت ساذجة للغاية ، وخيبت توقعنا . كنا نستمع فى المدرسة إلى نكت للكبار ، حقيقية ومثيرة !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:30 PM
* السراى *
............

كنا دائمى التردد على سراى رأس التين . نكتفى بالتطلع ـ من أمام الأبواب التى تفتح وتغلق ـ إلى البنايات والحدائق والجنود ، فى المساحة الممتدة إلى البحر . كانت الحديقة الهائلة المواجهة للسراى هى المكان الذى نقضى فيه أوقاتنا . نذاكر ، ونتبادل الأحاديث ، ونلعب ، ونغنى ..
كانت ليلى مراد مطربتى المفضلة ، وكنت أقلدها ، وبالذات فى أغنيات فيلم " شاطئ الغرام " ..
أعدت النظر إلى ما بدا لى مفاجئاً ، وغريباً ، وقاسياً . كان جنود الحرس الملكى يتدربون على إطلاق النار . مجرد أخذ أوضاع التصويب دون إطلاق الرصاص ..
يبدو أن أحد الجنود تصرف بالطريقة نفسها التى جرّت على إسماعيل يس غضب الشاويش عطية ، فانهال المدرب ـ بكعب حذائه ـ على ظهر الجندى الذى تمدد على الأرض ، واحتضن البندقية . ضربات متوالية ، قاسية ، انتفض لها جسد الجندى دون أن يغادر موضعه ..
رنوت إلى زملائى أتعرف إلى مشاعرهم . انعكست رؤيتهم لما رأيت ، حزناً يقطر من الوجوه الصامتة ..
حاولنا أن نستعيد اللحظة التى كنا فيها . أن نذاكر ، نتكلم ، نلعب ، نغنى . لكن الخرس أسكت أفواهنا ..
لملمنا الكتب والكراريس ، ومضينا ـ صامتين ـ خارج الحديقة ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:30 PM
* غريب الدار *
...................

كان صوت عبده السروجى يعلو فى جهاز الراديو بالأغنية الجميلة : غريب الدار عليه جار .. جفانى القاسى وهجرنى ..
أعطيتها وجدانى ، بحيث أنى نسيت المشكلة ، المأساة ، التى كنا نعانيها . الإذاعة ـ كما تعلم ـ لا تنسق برامجها وفق أوضاع الناس ، أو ما يعانون من ظروف ، ولا حتى متطلباتهم الملحة . وبالتأكيد فإنه لا يشغل الإذاعة إلا أن تنوّع فى برامجها ، فى امتداد اليوم ، بما يرضى كل الاهتمامات والأذواق ..
كنا نعانى ظروفاً قاسية ، امتدت منذ ما قبل وفاة أبى إلى ما بعد رحيله بعامين . لم نعد نملك مجرد دفع إيجار الشقة . تراكم الإيجار ، فأبلغنا عم أحمد البواب ـ ذات صباح ـ أن الابن الأكبر للطبيب محمود عبد اللطيف موسى ـ مالك البيت ـ سيزورنا لمناقشة ما يمكن فعله ..
أيقظنا صوت الجرس من جمال الأغنية ، ومن أنفسنا ، ومن كل شئ ..
أومأ كل منا إلى الآخر ليفتح الباب . كان أخى على أجرأنا ..
ألقى الرجل تحية هادئة ، ودخل . بدا فى حوالى الأربعين [ عرفت ـ فيما بعد ـ أنه كان قائمقاماً ـ عقيداً يعنى ـ ويعمل مأموراً لمركز كفر الدوار ] يرتدى جاكت كحلى له صفان من الأزرار ، ويبين فى الجيب العلوى منديل أبيض ، ووضع فى إصبعه خاتماً ، وتدلت من ساعده ساعة ذهبية , ويستند إلى عصا أبنوسية ، ربما من قبيل الوجاهة ، أو اصطناع الوقار !
أشار إلى الراديو ، فأغلقناه ..
جلس ، ووقفنا صامتين ..
لمحت فى عينيه ما يشبه الإشفاق أو التعاطف ، وهو ينظر إلى وقفتنا المتناثرة ، الصامتة ، الخائفة ..
ـ ما بتدفعوش الإيجار ليه ؟
قال على :
ـ إن شاء الله الفلوس تيجى قريب ..
وهو ينقل الإشفاق إلى تعبيرات وجهه :
ـ فين يا ابنى .. المسألة طالت ..
وأردف :
ـ المهم .. عندى اقتراح .. ممكن أنقلكم لشقة تانية من غير إيجار ..
صرخت بعفوية :
ـ لا ..
دلق الرجل اقتراحه ببساطة ، دون أن يعى التأثير القاسى الذى سيحدثه فى نفوسنا . الشقة ليست مجرد جدران . إنها البيت ، الموطن . الطفولة ، والنشأة ، وأيام العز ، والمواكب الرسمية من سراى رأس التين وإليها ، وحواديت جدى ، وليالى رمضان ، والعيدين ، ومواكب الجلوة ، والجلوس تحت جهاز الراديو لسماع تلاوة محمد رفعت ـ تأثراً بأبى ـ وأحاديث بابا شارو ، وتمثيليات على بابا وقسم وعوف الأصيل ، والمذاكرة ، ومرض أمى وأبى ، وموتهما , واللعب فى الشارع الخلفى ، ونداءات عم أحمد الفكهانى على بضاعته ، وتناهى الأذان من سيدى على تمراز ، وطرقات مغاورى بائع الخبز ، وتأمل صيد المياس فى المينا الشرقية وقت العصارى ، ولعبة السلم والثعبان مع عادل الصبروتى على بسطة السلم ، وقراءاتى فى مكتبة أبى ، وفى الشقة المقابلة ، وخطب الشيخ عبد الحفيظ فى صلاة الجمعة . أعى كلماتها ، وأتساءل : ألا يخشى الملك والحكومة ؟..
تنقلت نظرة الرجل بين إخوتى . أظن أنه وجد فى الملامح استجابة لصرختى الرافضة . قال وهو يطوح عصاه الأبنوسية :
ـ ربنا يعمل اللى فيه الخير ..
وسكت الرجل ـ فى الأشهر التالية ـ عن المطالبة بالإيجار المتأخر ، المتراكم ، حتى ظهر لأبى نقود ، شغله المرض عن تسلمها من شركة الجراية لتصنيع الورق ..
أتذكر الإيجار ، فيفزعنى الوضع المأساوى الذى كنا نحياه . كانت قيمة الإيجار ـ كل شهر ـ مائتين واثنين وأربعين قرشاً !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:31 PM
* دمعة *
..........

أتابع أبى وهو يعيد وضع كنكة البن على السبرتاية . لم يعد لتناول القهوة موعد محدد ، إنما هى سلسلة متصلة الحلقات . يعيد كوب القهوة إلى الطاولة بجواره ليبدأ فى إعداد كوب جديد . يطيل وقفته فى الشرفة المطلة على المينا الشرقية . يمضى إلى المطبخ بخطوات متباطئة . يلقى نظرة دون أن يفعل شيئاً ، ويعود . يضيع وقتاً فى إدارة مؤشر الراديو ، ثم يغلقه . يتنقل بيننا حيث نجلس أو ننام ..
أعرف أنه يعانى ما صرنا إليه . كانت شقتنا أشبه بفندق للكثيرين من عائلتى أبى وأمى ، هم دائمو التردد عليها ، وقضاء الأيام الطويلة معنا ، كأن أفراد الأسرة الخمسة قد أصبحوا عشرة أو أكثر . وكانوا يملأون البيت بالونس والحياة ، ويدخلون مع أبى فى مناقشات ، ويظهرون له عظيم الاحترام ..
فقد أبى ـ بتأثير المرض ـ وظائفه فى الشركات الثلاث التى كان يعمل فيها . لم يعد يترك البيت إلا لزيارة الأطباء ، وتقلصت موارده المادية إلى حد الندرة . إنما هى رسائل قليلة يترجمها من لغة إلى أخرى ، أنقلها من الشركات إليه ، ومنه إلى الشركات ، وأعود بقيمة المكافأة فى أظرف مغلقة ..
تبدّل الحال تماماً . مشاركاتنا مع الأقارب فى صنع الحياة داخل الشقة شحبت تماماً ، كأن إيقاع الحياة لا يعلو إلا بوجودهم . انطوى كل منا على نفسه ، يذاكر ، أو يقرأ ، أو يتشاغل بما يجده بين يديه ، وخلا أبى ـ مضطراً ـ إلى نفسه لا يجد ما يفعله . يطالع قواميس اللغة للاستزادة ـ كما كان ينصحنا ـ من المفردات ، ويهب وقتاً أطول فى قراءة الصحيفة الوحيدة التى استبدلها بالصحف الخمس ، ما بين عربية وأجنبية . يعاوده الخوف من تصور الأذى على أيدى من لا نعرفهم ، أو لا نصدق أنهم يفعلون ذلك . يعروه الملل ، فيفعل ما يدفعنا إلى متابعته بقلق . إذا عرضنا عليه مشكلة تتصل بأحدنا ، أو بالبيت ، اكتفى بالقول : اتصرفوا . وكان يظهر التململ ، ويثور بلا مناسبة ، فنتركه فى حاله ـ والتعبير له ـ ونخلو إلى ما ننشغل به . حتى الأغنيات التى كان يتذوقها فى الأيام الخوالى ، كنا نستمع إليه وهو يدندن بها بصوت متعب ..
مسحت شقيقتى دمعة من عينها وهى تنصت ـ فى إشفاق ـ إلى استعادته أغنية صالح عبد الحى :
ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين
لماذا هذه الأغنية ؟

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:32 PM
* والله تستاهل *
...................

المعهد الدينى بالمسافرخانة . الباب الحديدى الضخم ، والردهة الواسعة فى الطابق الأول ، والإضاءة الداخلية التى تغنى عن إغلاق النوافذ فى وجه النهار ، والسلالم المفضية إلى الطوابق العليا ، والطرقة الدائرية الممتدة ، على جانبها الحجرات المغلقة ، والمواربة ، والمفتوحة ، يتناهى من داخلها ـ فى الأغلب ـ صخب متلاغط لا أستطيع تبينه ..
بدأت فى التردد عليه ، بعد أن تعرفت إلى أحد طلبته فى سينما الأنفوشى . انشغلنا عن متابعة الفيلم بمناقشة لا رابط بين مفرداتها . تبين كل منا فى صاحبه أنه يحاول الكتابة الإبداعية ..
زرته فى المعهد ..
تعرفت ـ بواسطته ـ إلى أصدقاء آخرين ، تعددت اهتماماتهم ، لكنهم شكلوا عالماً لم يسبق لى الحياة فى داخله . الجبب ، والقفاطين ، والعمائم ، وقراءة الألفية وكتب الفقه والتراث ، ومناقشة قصائد المتنبى والبحترى وشوقى وحافظ وأحمد محرم ، وكتابات طه حسين والعقاد والزيات ، واختلاف الآراء فى الأحوال السياسية ، ورواية الحكايات ، وارتفاع الضحكات للنكات البذيئة ، وأدوار الشاى ، وأحاديث النميمة ، والنداءات ، والصيحات ، والشتائم ..
مع تقدم الليل أتهيأ للانصراف ، لكن الدعوات الملحة تدفعنى إلى السهرة الترفيهية التى يحرصون عليها . طالب ـ أذكر من اسمه عيد ـ له وجه دهنى ، دائم التفصد بالعرق ، وشفتان غليظتان ، وصوت جميل . لديه قدرة على اكتساب الصداقات . يغيب التكلف عن تصرفاته . يتحدث فى ألفة ، وبوقائع من حياته الشخصية . يكتفى ـ بعد انتهاء الدروس ـ بنزع الكاكولا ، والاقتصار على القفطان .
يدور علينا بنظرة متسائلة :
ـ ماذا تريدون ؟
تتعدد الرغبات . ثمة من يطلب تواشيح دينية ، ومن يستعذب صوت أم كلثوم ، ومن يصر على عبد الوهاب أو السنباطى أو الأطرش ..
يعلو صوت عيد بمقاطع من الأغنيات تلبى ما يريده الجميع . تبدو الألحان ـ فى هدأة الليل ـ كأنها علوية ، أو كأنها السحر ..
تفاوتت أصداء أغنيات عيد فى ذاكرتى بين الوضوح والخفوت . أغنية وحيدة أستعيدها ـ حتى الآن ـ أحياناً ـ وأدندن بها ، ربما لأنى أحببتها ، أو لأن عيد كان يهب أداءها ذوب وجدانه ، أو لأنه كان يحرص على أن تكون ـ دوماً ـ ضمن اختياراته اليومية من الأغنيات ..
كان يسند وجهه إلى راحة يده ، ويغمض عينيه ، ويمد رقبته ، كأنه يتهيأ لأذان ، أو لتلاوة قرآنية ، ثم يعلو صوته بأغنية سيد درويش :
والله تستاهـل يا قلبى .:. ليه تميل ما كنت خالى
انت أسباب كل كربى .:. انت أسباب ما جرى لى

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:32 PM
* عشق البحر *
.................

محمد خاطر السيد ..
أستمع إلى أغنية " على بلد المحبوب " ، فأتذكره ..
كان صديقاً مشتركا لمحمد حافظ رجب ولى . مضت عشرات الأعوام على آخر لقاءاتنا القصيرة ، المتباعدة . يبدو كل شىء مغلفاً برمادية شاحبة : الملامح الظاهرة ، وبداية الصداقة ، وأماكن اللقاءات .
كنت فى حوالى السادسة عشرة . وجدت فيه اكتشافاً جميلاً للمناقشة فيما أقرأه ، ومحاولات الكتابة الأولى ، وفى حكاياته عن الحياة فوق أسطح البواخر ، وداخل المطابخ والغلايات ، والموانى والمدن التى يشاهدها بتمازج الفضول والدهشة . البنايات والشوارع والساحات والعادات والتقاليد والعلاقات العابرة والصفقات الهامسة فى الأركان الملتفة بالشحوب والحوادث الطريفة والمآزق . يستعيد أغنية أم كلثوم : يا مسافر على بحر النيل .. أنا ليه فى مصر خليل ..
يضغط على كلماته :
ـ مع ذلك ، فأنا أعشق البحر بلا حدود .. أعشق رحلاته ، والحياة المتجددة على أمواجه ..
سافر فى إحدى رحلاته . بعث برسالتين أو ثلاث ، تحدث عن المدن التى يتنقل بينها ، فلا يتاح له العودة إلى الإسكندرية . ثم انقطعت رسائله ، ولم نعد نلتقى ..
أستمع إلى أغنية أم كلثوم . أستعيد لقاءاتى بمحمد خاطر السيد : أحاديثه ، وكتاباته ، وعشقه المطلق للبحر ، والسؤال الذى تحركه الصور والرؤى والأخيلة : متى يتاح لى ركوب البحر ؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:33 PM
* الجيران *
.............

بدأ السائق والعتال ـ يساعدهما عم أحمد البواب ـ فى إنزال الأثاث من عربة النقل إلى الرصيف ، أمام البيت . عرفنا أن سكان الطابق الثانى الجدد وصلوا ..
أطلت الوجوه ـ بالفضول ـ من النوافذ والشرفات وأبواب الدكاكين . لم ألحظ ـ فى الأيام الأولى ـ هوية السكان الجدد : هل هى أسرة صغيرة العدد أو كبيرة ؟ وهل لها أولاد فى مثل سنى ، فيتاح لى صداقتهم ، واللعب معهم فى الشارع الخلفى ؟
فى اليوم الرابع ، لمحت من الشرفة المطلة على شارع إسماعيل صبرى فتاة فى مثل سنى ، فى الرابعة عشرة أو أقل بشهور ، تتابع حركة الطريق بنظرة متأملة .
أهملت النظرات من دكاكين الشارع ، ترصد الإشارات والهمسات بين الشرفات والنوافذ المتقابلة . حدقت النظر . اجتذبنى الشعر المنسدل إلى كتفيها ، والرموش الطويلة تظلل عينين واسعتين ، والأنف الدقيق ، وسمرة الوجه الرائقة .
رأيتها ـ بعد أيام ـ تسبقنى فى النزول إلى الطريق . مضت ناحية شارع فرنسا . أبطأت من خطواتى ، فلا يبدو أنى أحاول ملاحقتها . الشارع نفسه هو طريقى إلى مدرستى فى محرم بك ..
تعددت ـ فيما بعد ـ لقاءاتى الصامتة بها ، على السلم ، أو فى شوارع الحى . ورأيتها فى النوافذ والشرفات التى تطل من البناية المتفردة على أربعة شوارع . شغلنى أمرها بما لم أكن أعرفه من قبل . أحاول ضبط موعد ذهابها إلى المدرسة أو عودتها منها ، وقفتها المتأملة فى النافذة قبل أن تنسحب الشمس من واجهات البيوت ، نزولها إلى شارع الميدان ، تشترى لوازم أسرتها ، فهى أصغر الأخوة لوالدين أدركهما الكبر : رجل فى حوالى الثلاثين عرف طريقه منذ اليوم الأول إلى مقهى المهدى اللبان أسفل البيت ، وصبى وفتاتان فوق رءوس بعض ، حسب التعبير الشعبى ..
كانت مشاوير الولد إلى فرن التمرازية ، والطنطاوى بائع الفول فى شارع التتويج . أما البنت فكانت تشترى الخضر واللحم والبقالة من شارع الميدان ..
مديحة !..
لا أذكر من نطق الاسم أمامى .. لكن مجرد معرفتى الاسم أضاف إلى انشغالى بها ..
ترامى صوت عبد الحليم حافظ بالأغنية من نافذة لم أتبينها فى البناية المقابلة :
يا صحابى ، يا أهلى ، يا جيرانى .. أنا عايز اخدكوا ف أحضانى
تدبرت الكلمات . استوقفنى حضن الجيران الذى تمناه عبد الحليم ، وتمنيته ، وإن لم يداخلنى ـ كم طالت أعوام عذريتى ! ـ أية مشاعر حسية ..
عرفت السهر والمتابعة والشرود والنظر ـ بلا مناسبة ـ إلى شرفات ونوافذ الطابق الثانى ، وملامح البنت فى كتاب المذاكرة ..
أدركت أنى أحب .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:33 PM
* هيلا ليصة *
.................

أنزل من الأوتوبيس فى محطة ستانى بالورديان . الصباح ضبابى ، خريفى ، ينذر ببرودة ، وأنفاس البحر : رائحة اليود والملح والطحالب والأعشاب ، تترامى من وراء الشون والمخازن . تساقطت أوراق الشجر المصفرة ، الجافة ، على الأرض . وإلى جانب الرصيف حصان مد خطمه فى مخلاة التبن الملقاة أمامه ، تناثرت بقاياها فى دائرة واسعة حولها ..
أميل إلى الشارع المسفلت ، فى نهايته سور حجرى يطل على الميناء ، ويصل بين شون الغلال على جانبى الشارع . العصافير تشكل غيمة صوتية وهى تتسلل ـ لالتقاط القمح ـ من الأسقف المفتوحة ..
تطول وقفتى أمام كشك الشاى المستند على السور الحجرى . تتزايد أعداد العمال فيشكلون ما يشبه نصف الدائرة حول الكشك ، وفى أيديهم أكواب الشاى ..
فى السابعة تماماً ، يبدو خليل أفندى قادماً من أول الشارع . يولج المفتاح فى القفل الضخم ، ويتشارك العمال فى دفع الجرار الحديدى ، ويسبقنا خليل أفندى فى الدخول ..
أدركت منذ أول أيام عملى فى الشونة أن القصد مجاملة ابن عم أبى محمد على جبريل رئيس قلم القضايا فى بنك التسليف . لم أكن أمارس عملاً ما ، ولم تصدر لى توجيهات لأنفذها . طلب خليل أفندى أن أراقب العمال وهم ينقلون أجولة الغلال من السيارات إلى داخل الشونة ، يرصونها فى بلوطات أشبه بالمربعات الهائلة ..
بعد عشرة أيام ، صحبنى خليل أفندى إلى تقاطع ، وقال :
ـ أنت معنا فى إجازة الصيف ..
أومأت برأسى دلالة الموافقة ..
قال :
ـ أخشى أنك لا تراقب العمال كما يجب !
وأنا أغالب الحيرة : كيف أراقبهم ؟
وهو يهز إصبعه :
ـ أبلغنى بكل ما تراه من تقصير ..
عدت إلى وقفتى وسط العمال . أراقب حركتهم بين السيارات والشونة ، وأستمع إلى أغنياتهم التى تبدأ بالهتاف : هيلا ليصة ، ويغيب عنى الكثير من مفرداتها ، وإن اتسمت بأنغام محملة بالحزن والحنين . تجتذبنى اللحظة بكل شجوها . أنسى ملاحظة خليل أفندى ، فلا يشغلنى من يلتمس الراحة داخل أزقة البلوطات المتقاطعة ، أو يفرد طعامه ، أو تتلكأ خطواته ..
شاركت العمال أداء أغنياتهم .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:35 PM
* النيل *
.........

القصيدة مودعة فى ذكريات الصبا الباكر . لا أذكر ـ بالطبع ـ متى استمعت إليها للمرة الأولى ، لكن الذى أذكره جيداً ، أنى كنت أحفظ أبياتها ، حين وجدتها ضمن أبيات القصيدة كاملة فى " المحفوظات " المقررة ضمن مواد المرحلة الثانوية ..
لامست موضعاً رهيفاً داخلى ، فأحببتها . أمرنا المدرس بكتابة موضوع إنشاء نحدد موضوعه بأنفسنا . اخترت ـ بلا تردد ـ قصيدة شوقى . تحدثت عن أم كلثوم ـ لم أكن أعرف معنى الأداء بعد ـ وتحدثت عن اللحن . لولاه ما تغلفت الأغنية بنورانيتها ، وإن كنت تأخرت كثيراً قبل أن أعرف اسم الملحن : رياض السنباطى . تحدثت كذلك عن تأثير الأبيات فى نفسى ، ما وهبته لى من صور هطول الأمطار على رءوس الجبال فى الحبشة ، الفيضان ، احتفالات عروس النيل ، الوادى ، الخضرة . منابع النيل تبعد عن مصر آلاف الكيلو مترات ، لكن النيل ظاهرة مصرية . حتى مقولة هيرودوت " مصر هبة النيل " ـ رغم قسوتها ـ تضغط على هذه الظاهرة ، وتؤكدها . يأتى الحديث سريعاً عن بلاد ومدن وقرى يقطعها النيل فى رحلة المنبع والمصب .. لكن الحديث يتباطأ حين يشرف على المدن المصرية ، بدءاً بالشلالات وانتهاء بعناق البحر المتوسط ..
أعجب المدرس ـ اسمه فيما أذكر الأستاذ عبد العليم ـ بما كتبت ، ومنحنى الدرجة النهائية . أزمعت أن أكتب ـ فى قادم الأيام عن النيل من خلال هذه الأغنية ، شعر شوقى ولحن السنباطى وأداء أم كلثوم . كانت حرفة الأدب تناوشنى ، وإن لم تدركنى تماماً . وكانت تنويعات القراءة تتجاذبنى ، فلم أستقر على اللون الأدبى الذى أخوض مغامرته ..
فى حياتى الكثير من المشروعات المؤجلة .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:36 PM
* على قد الشوق *
...................

حين دخلت سينما الأهلى بالسيدة زينب ، لمشاهدة فيلم " لحن الوفاء " ، كان بينى وبين عبد الحليم حافظ تاريخ مشترك . استمعت إلى اسم عبد الحليم ـ للمرة الأولى ـ فى مسرح الأزاريطة بالإسكندرية . صديق لأبى دعاه إلى حفل من بين فقراته المطرب الجديد عبد الحليم حافظ . كان أبى مشغولاً بقراءاته وترجماته ، فرشحنى بدلاً منه ..
صحبت صديق أبى إلى المسرح . تابعت الفقرات . أذكر منها راقصة اسمها هيرمين ، رافق أداءها صراخ من جمهور الصفوف الأمامية وتأوهات وقذف بالورود وتصرفات أخرى أذهلتنى . عرفت ـ من حوار بين أبى وصديقه ـ أن متعهد الحفلات الحاج صديق ، أعاد عبد الحليم إلى القاهرة ، لأنه ـ على حد تعبيره ـ لا يريد أغنيات من نوع " أيها الراقدون تحت التراب" . يقصد أغنية " ظالم " التى أعتبرها من أجمل أغنيات عبد الحليم . استجاب الرجل لاستياء الجمهور وزياطه ، فمنع عبد الحليم من مواصلة الغناء . غنى ـ بدلاً منه ـ كارم محمود بصوته الحلال ـ الصفة للشيخ زكريا أحمد ـ ورقصت هيرمين على أغنيات : سمرة يا سمرة .. وعينى بترف .. وأمانة عليك يا ليل طوّل .. وغيرها ..
لم يذهب عبد الحليم من بالى . استمعت إلى أغنياته : على قد الشوق ، صافينى مرّة ، بتقولى بكرة ، ظالم ، يا مواعدنى بكرة . اعتبرته مطربى المفضل ، وأثمرت متابعتى لمشواره الحياتى والفنى ، دراسة مطولة نشرتها فى " الخليج " الإماراتية عن شاب مصرى ، شكلت حياته ـ منذ الميلاد إلى الممات ـ مأساة كاملة ..
المهم ، دخلت السينما ، يدفعنى الإعجاب بعبد الحليم حافظ . وجدت فى تصفيق رواد السينما لمقدمة على قد الشوق ، كأنه موجه لى . هذا هو المطرب الذى أشفقت عليه لما طرده متعهد الحفلات من الأزاريطة ، ثم أحببت صوته فى الأغنيات التى أداها من كلمات سمير محبوب وألحان الموجى والطويل ..
ظللت متابعاً لعبد الحليم ، فناً وسيرة حياة . حتى قرأت نبأ وفاته على وكالات الأنباء ..
كنت ـ أيامها ـ أحرر جريدة " الوطن " العمانية . وكانت أغنيات عبد الحليم ممنوعة من الإذاعة والتليفزيون . عرفت أن المسئولين فى السلطنة عرضوا عليه أن يغنى فى عيد ميلاد السلطان ، فاعتذر . عاقبوه بمنع أغنياته !..
اتصلت بمكتب وزير الإعلام . من السخف أن أهمل نبأ وفاة مطرب فى قامة عبد الحليم . تلقيت الموافقة قبل أن أرسل مواد الجريدة إلى المطبعة بدقائق : فلتكن المرة الأولى والأخيرة ..
لكن التحقيق الذى أفردت له الصفحة الأخيرة كان انفراجة الباب . ثم أصبح عبد الحليم حافظ مادة ثابتة فى وسائل الإعلام العمانية .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:37 PM
* النيل نجاشى *
...................

حدثتك عن أغنية " النيل " التى تمنيت ـ فى صباى ـ أن أكتب عنها ، أعبر عن حبى لها على مستوى الكلمات واللحن والأداء . كانت الفكرة تشغلنى ـ أحياناً ـ فتجاوز مجرد نيل شوقى والسنباطى وأم كلثوم ، إلى نيل ثان ، وثالث ، إلى آخر الأغنيات التى تتحدث عن النيل . وكنت أحبها جميعاً . حتى أغنية " يا تبر سايل بين شطين " الساذجة الكلمات ، الجميلة اللحن والأداء ، أحببتها ، وكنت أرددها بينى وبين نفسى ..
الأغنية التى صعب على فهمها ـ لا أتقبل أغنية ما إلا إذا فهمت كلماتها ، وتقبلتها ـ هى أغنية شوقى ، لحن وأداء عبد الوهاب " النيل نجاشى .. حليوة أسمر " . وصلتنى الكلمات بمعنى مغاير . تصورت أنها تتحدث عن الفيضان . النيل ما جاشى .. فهل الإطراء ، وأنه حليوة أسمر ، حتى يأتى بالماء والطمى والحياة للأرض المصرية ؟
لم أفهم المعنى تماماً ، وأهملت الأغنية . لم أقرر حتى إن كانت ستدخل ضمن مشروعى للكتابة عن النيل من خلال أغنية أم كلثوم الشهيرة ، وما يتصل بها من أغنيات تتحدث عن النيل ..
ويوماً ، تحدث أبى عن الحب الذى كان يضمره ـ ويعلنه ـ شوقى لعبد الوهاب ، والذى أملى عليه أن يتخلى عن تخوفه من عامية بيرم التونسى ، فيكتب لعبد الوهاب أغنيات بالعامية ، منها هذه الأغنية التى أسقطتها ..
ماذا ؟..
النيل نجاشى !..
الكلمات إذن عن النجاشى ، الملك ، السلطان .. وليست عن الغائب الذى نسر فى تدليله حتى يعود !
أعدت تأمل الأغنية : الكلمات .. اللحن .. الأداء . بدا لى إهمالها أشبه بحكاية الثعلب الذى تطلع إلى التقاط العنب . فلما أعياه العجز ادعى إنه حصرم ..
أحببت النيل نجاشياً !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:37 PM
* صافينى مرة *
...................

تعرفت إليه فى ناصية شارعى رأس التين وفرنسا . شاب فى حوالى الثلاثين . بيضاوى الوجه ، أبيض البشرة ، له عينان زرقاوان ، دائمتا التلفت . ينسدل شعره الذهبى على قفاه ، تتطاير خصلات منه ، فيزيحها براحته إلى الوراء ..
سألنى عن عنوان شركة قريبة . اتصل الحديث ، فصرنا أصدقاء .اسمه ديمترى ـ هو نفسه أحد شخصيات روايتى الشاطئ الآخر ـ تعرفت منه إلى ناظم حكمت وكفافيس وغيرهما من الشعراء الذين لم أكن قرأت لهم من قبل . ولم يكن فى قراءاتى ما أقدمه له سوى ما حفظته من كتب التراث ..
فاجأنى ديمترى بلغة عربية تداخلت بألفاظ أجنبية ، بأنه يحفظ أغنية عبد الحليم حافظ " صافينى مرة " . أدى الأغنية ، وحاكى موسيقاها بالدندنة ..
صحبنى ديمترى إلى عوالم جميلة من السرد والتشكيل والغناء ، فأحببت صداقته ، وتصورته صديقاً أبدياً . فلما فاجأنى بالزقاق المظلم فى حياته [ أذكرك بالشاطئ الآخر ] قررت أن أمضى ـ بعيداً عنه ـ فى الشوارع الفسيحة ، المنيرة ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:38 PM
* عشق الروح *
.................

واربت الباب ، فدخلت ..
فى حوالى الخامسة والعشرين . ترتدى فستاناً ضيقاً ، عليه نقوش مستديرة ، ملونة . أهملت إغلاق الزرار العلوى ، فظهر من صدرها ما أغرانى بالتحديق . سمراء البشرة . عيناها سوداوان ، مكحولتان . عقصت شعرها فى جديلة ألقتها خلف ظهرها . لردفيها الممتلئين استدارة واضحة ، تختلف مع الضمور النسبى للخصر وأعلى الصدر ..
تعرفت إليها فى أشهر إقامتى بالسيالة . التقينا ـ للمرة الأولى ـ عند عم عبد المعطى مكوجى الرجل على ناصية شارعى العوامرى والسيالة . اجتذبتنى الحياة فى الحى الشعبى بناسه وتجاره وحرفييه وسلوكيات حياته . أمضى الساعات متأملاً انحناءة عم عبد المعطى على مكواة الرجل ، فصاله مع الزبائن ، تبادله النكات مع أصحاب الدكاكين المجاورة ، تعليقاته المرحة على ذوات الملاءات اللف والبسمات المحرضة ..
طلب شهادتى فى قيمة كى الملاءة . ذكرت ما اعتدت سماعه منه ، وهو يعد أنواع الملابس . اتجهت ناحيتى بسؤالها . أجبت بما أعرفه ..
التقينا بعيداً عن بحرى .
سرنا فى منطقة السلسلة ، والشوارع المتفرعة من محطة الرمل ، وحدائق الشلالات [ قبلتها تحت ظل شجرة ] والشوارع المحيطة باستاد البلدية ..
كنت ـ آنذاك ـ مفتوناً بروايات محمد عبد الحليم عبد الله . وجدتها امتداداً جميلاً لروايات المنفلوطى التى قرأتها فى مكتبة أبى . كلمتها عن التسامى فى الحب ، وعن يتمى الباكر فأنا أريد فى حبيبتى عاطفة أمومة . وكلمتنى عن زوجها البحار . حياته كلها فى البحر . حتى فى أيام إجازاته ينشغل بأصدقائه وقعدات قهوة الزردونى ..
أستعيد الآن ملامحها وهى تغالب التوتر :
ـ أنا فى حاجة إلى رجل !
شردت فى المعانى الجميلة ، وقلت :
ـ أنا أيضاً فى حاجة إلى حبيبة لها قلب الأم ..
ودندنت برومانسية ساذجة ـ كأنى أغنى لنفسى ـ :
وعشق الروح مالوش آخر لكن ده عشق الجسد فانى
كان ذلك آخر لقاءاتى بالمرأة . لم تعد تتردد على دكان عم عبد المعطى ، ولا رأيتها فى شوارع بحرى ..
غابت عن حياتى تماماً .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:38 PM
* يمامة بيضة *
..................

يتناهى الصوت الأنثوى الرائق بكلمات الأغنية التى لم أكن استمعت إليها من قبل :
يمامة بيضة ومنين أجيبها طارت يا عينى عند صاحبها
الباب مغلق . أكتفى بتصور الفتاة ـ أو المرأة ـ التى تنشر الغسيل فى السطح ، وتغنى ..
حين تسلمت مفتاح الغرفة ، أوصانى الريس بركات شيخ الصيادين ، وصاحب البيت ، أن الزم الحجرة ، فلا أغادرها إلا لضرورة . تحددت الضرورة فى عودتى إلى الغرفة ، وخروجى منها ، واستعمال دورة المياه الملاصقة لها ..
دفعنى الفضول للتظاهر بأنى أتجه إلى دورة المياه . طالعتنى بقامتها القصيرة ، وعينيها اللامعتين الواسعتين ، يعلوهما حاجبان أسودان ، طويلان ، والأنف الأقنى ، الصغير ، والجلابية القصيرة ، المشمرة عن ساعديها .
اتجهت عيناى ـ بادعاء الخجل ـ إلى الناحية المقابلة ـ وإن تأكدت ـ من النظرة السريعة ـ أن الفتاة ـ التى لا تتجاوز الثامنة عشرة ـ فائقة الجمال ..
تكرر خروجى ، ودخولى ، من باب الحجرة . أضفت إلى جرأتى صوت هامس :
ـ مساء الخير ..
شجعنى ردها ، فمالت عيناى عن اتجاهها الجانبى ، ونظرت إليها ..
ساعدتها ـ فى الأيام التالية ـ على رفع " القروانة " بالغسيل الذى جف فوق المنشر . ثم سألتنى فيما لا أذكره ..
انفرج باب الصداقة الموارب . تحدثنا فى أحوال السيالة والصيادين وعمال البحر ومعلمى حلقة السمك . امتدت أحاديثنا ، فلامست الحب . وبدت لى جريئة ..
ذات أصيل . غادرت الحجرة على تناهى الصوت . كانت الفتاة مشغولة فى لم الثياب . وكان قرص الشمس قد سقط فى أفق الأمواج بالأنفوشى ، واختفى تماماً . لم يعد إلا تداخلات الألوان وهى تذوب فى رمادية شاحبة ..
لا أدرى ما الذى حرضنى على تعرية أسفل جسدى ، والرنو إليها بنظرة محرضة ..
داريت نفسى ـ فى اللحظة التالية ـ وأنا أعانى الذهول للبكاء الذى انخرطت فيه الفتاة ، وجريها نحو باب السطح ، فلا تصعد إليه ثانية !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:39 PM
* أهواك *
.............

بدت مختلفة عن كل الفتيات اللائى تصورت ـ وربما تصورن ـ أن العلاقة الخاصة فى أفق البحر . لم تكن جميلة ، ولعلها كانت أقرب إلى الدمامة ، فعيناها مشروطتان ، وشعرها مجعد ، وثمة ما يشبه الشارب الخفيف فوق شفتيها ..
شدنى انسحابها ـ بالخجل ـ من النافذة المطلة على عم عبد المعطى مكوجى الرجل فى ناصية شارعى السيالة والعوامرى ..
كنت ـ لبواعث أسرية حدثتك عنها من قبل ـ قد استأجرت غرفة فوق سطح بيت بين البيوت القديمة المتلاصقة ، داخل الحوارى الملتوية والمتعرجة والمتقاطعة . أمضى الوقت فى المذاكرة ، وأطرد إحساسى بالملل ، أو أنشد الصداقة فى بيئة لم يسبق لى الحياة اليومية فيها . تعرفت إلى دقائق المهن المتصلة بركوب البحر : الصيد وصناعة السفن ، وغزل الشباك ، وبيع السمك ، والعمل فى الحلقة ، وفى الدائرة الجمركية . أفدت من ذلك كله فى أعمالى التى تناولت الصلة بين اليابسة والبحر
لاحظت نظرتها المتسللة من خصاص النافذة . شدنى انسحابها بالخجل ، فنقلت ملاحظتى إلى عم عبد المعطى ..
قال فى هدوء وجدية :
ـ عفاف .. لا .. دى غير كل البنات !
حرصت أن ألتقط طرف خيط الكلام عن عفاف بين خيوط أحاديثنا المتشابكة . نشرق ونغرب فى مناقشات بلا ضفاف ولا آفاق . أعاود إلقاء الطراحة ، ربما تصيد ولو سمكة وحيدة تتصل بسيرتها . نفض عم عبد المعطى اليد الخشبية للمكواة بقدمه الحافية ، واعتدل فى وقفته ، وأسند ظهره إلى ساعده ، وتنهد :
ـ البنت دخلت مخك .. هل تريد التقدم لخطبتها ؟
أضاف دون أن يعبأ بالدهشة التى ملأت وجهى :
ـ إنها مثل ابنتى .. أستطيع أن أقنعها بلقائك ليتعرف كل منكما إلى الآخر ..
سبقتها حين اقتربت من أول شارع السيالة . مضيت ـ بحيث ترانى ـ فى شارع الموازينى ، إلى رأس التين ، فشارع الميدان . التفتّ نحوها ـ للمرة الأولى ـ مسلّماً فى ميدان المنشية . غلبنا الارتباك ، فلم نجد ما يتيح لنا الكلام ، والسير المتمهل ..
لم أكن أعرف كيف يتكلم الحبيبان ، من يسأل ، ومن يجيب ، مدى الأفق فى حديثهما ، بل إنى لم أكن أعرف الفوارق البيولوجية بين المرأة والرجل . طاقتى الجنسية أنفقها فى ممارسة العادة السرية ، ترافقها صور أتمثلها ، وأتخيلها ، وأستدعيها من الذاكرة ..
ترامى من المقهى المطل على الميدان صوت عبد الحليم حافظ :
أهواك واتمنى لو أنساك ..
قلت :
ـ أغنية جميلة ..
قالت :
ـ فعلاً ..
ـ تحبين عبد الحليم حافظ
هزت رأسها مؤمّنة ..
وأنا أشير إلى الكراسى المتناثرة فى حديقة المنشية :
ـ هل نجلس ؟
ـ لا .. أريد أن أعود إلى البيت ..
ـ لكننا لم نتكلم ..
فى حسم :
ـ بل تكلمنا ..
طالعنى عم عبد المعطى فى عودتى إلى السيالة بوجه يعلوه الاستياء :
ـ ضيّعت فرصة عمرك .. البنت للزواج لا للفسحة !
رنوت إلى النافذة المطلة على الدكان . فلما ظلت النافذة مغلقة ، أهملت الأمر ، وتناسيته ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:39 PM
* ألوان *
..........

أبيض غار النهار منه ..
أتفاءل بالعبارة ، يعلو بها صوت محمد عبد الوهاب فى جهاز الكاسيت بسيارة الدكتور جمال الدين ..
كنت أجلس إلى جواره ، من خلفى اثنان من مؤيدى الدكتور فى حملته الانتخابية . جو الصباح الباكر يحيط بنا . معظم النوافذ مغلقة ، والمارة قليلون ، وعربات الفول على نواصى الشوارع يلتف حولها عمال وصيادون وتلاميذ ..
لم تكن لى بالدكتور جمال الدين ـ نسيت بقية الاسم ـ سابق معرفة . هو أستاذ بكلية العلوم . رشح نفسه لانتخابات مجلس الأمة ، ودعا مثقفى بحرى إلى تأييده . ولأنى وجدت فى نفسى مثقفاً يسعى إلى التحقق ، فقد اعتبرت مساندة المرشح المثقف وسيلة لإثبات الذات ، وأيضاً لتأكيد موقفى ، وأن لى توجهاً سياسياً ..
أمضيت غالبية أيام الحملة الانتخابية فى مقر الدكتور جمال الدين . شقة بالطابق الأول من بيت فى شارع حسن باشا عاصم ، خصصها لحفظ كتبه وأدواته العلمية . جعل من إحدى الغرف مخزناً للمكتب والكتب والأدوات ، بينما فرشت الصالة والغرفتان الباقيتان بالكراسى ، ليجلس عليها مؤيدو الدكتور ..
أقنعنا الأستاذ الجامعى ـ وكان يعانى الخجل والارتباك ـ بأن الانتخابات لها وسائلها التى يجب أن نعنى بها . خرجنا فى ثلاث مظاهرات على مدى عشرة أيام . أعداد قليلة من المتعلمين ، زادت بالأولاد والمتسكعين فى شوارع السيالة وحواريها . رددنا هتافاً واحداً : إن جيت للحق .. جمال أحق . لا أذكر أننا بدّلنا الهتاف . اكتفينا بترديده كشريط " الأنسر " الذى يخاطب الطالبين بكلمات محددة ..
فى صبيحة يوم الانتخاب صحبنا الدكتور جمال الدين فى سيارته إلى مراكز الانتخاب . أدار جهاز الكاسيت ، فعلا صوت عبد الوهاب بأغنيته الجميلة ..
مع أنى لا أومن بالسحر ، ولا التنجيم ، ولا الأعمال التى تقرّب وتبعد ، فإنى ورثت عن أبى ميلاً إلى التفاؤل والتشاؤم . إذا ظل الضوء الأخضر قبل أن أصل بسيارتى إلى الإشارة ، فهو يوم طيب . إذا علا صراخ أو صوات موضع قريب ، فذلك أدعى للتشاؤم .. وهكذا ..
كان عبد الوهاب يقلّب الألوان فى أغنيته . داخلنى يقين بأن اللون الذى ستقف به السيارة أمام أول مركز انتخابى هو الذى سيحدد حظ الدكتور من أصوات الناخبين . ارتحت للون الأبيض . ضايقنى اللون الأصفر . عاودتنى الراحة فى الأحمر .. ثم اختلط قلقى وتوقعى بتعليمات الدكتور لنا فيما يجب أن نفعله ..
فى اليوم التالى ، أعلنت نتيجة الانتخاب ..
تصورت أن اللون الذى أغلق عليه الدكتور جهاز الكاسيت يرفض التفاؤل ، ويرفض التشاؤم كذلك . خسر الرجل ، وفاز من يمتلكون النفوذ والأموال ، وإن استطاع ـ وهو ما اعتبره أبناء بحرى مفاجأةً ـ أن يستعيد تأمينه الانتخابى !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:40 PM
* الحب *
.........

تبينت عمق السكون من حولى ، حين صدرت خشخشة وأنا أقلب الورقة التى سودت سطورها لأكتب ورقة أخرى .
كان قد مضى على قدومى إلى القاهرة ثلاثة أيام .
صدمت خالتى المقيمة فى مصر الجديدة تصورى بأن أقيم ضيفاً عليها حوالى الشهر . اعتذرت بالحرج من زوجها ، فبدأت البحث عن شقة بالقرب من دور الصحف ، فى وسط البلد . رحب خالى باستضافتى حتى أعثر على الشقة ـ أو الحجرة ـ المناسبة . لم أوفق فى مقابلة سعد الدين وهبة فى مكتبه بمجلة البوليس . تذكرت اسم أحمد عباس صالح . كنت أحب كتاباته النقدية . منحنى إصغاءه ، وقرأ لى . توسط ببطاقة زرت بها عدداً من أصدقائه . أزمعت ألا أضيع وقتاً ، فانشغلت بالكتابة . ترك لى خالى شقته فى حدائق القبة . طابق أول من بناية عالية . تركت الباب مفتوحاً استجلاباً لنسمة هواء تلطف حرارة أغسطس . ترامى من نافذة تطل على المنور الخلفى صوت نجاة : العواذل ياما قالوا .. ليه تحبوا ليه ؟.. رد قلبى وقال وماله .. لما احبه إيه ؟..
كنت أحب الأغنية . أجد فى كلماتها تحدياً للمثبطات ، وإصراراً على مشاعر الحب . استدعت ذاكرتى ـ بلا رابط ـ مكتبة أبى ، والكلمات المشجعة لصديقى فتحى الإبيارى ، وقراءة الفاتحة فى القطار ، وأبواب دور الصحف الموصدة ، وعناد أمواج البحر فى تواليها على الشاطئ ..
جففت عرق وجهى بجاكتة البيجامة التى كنت ألقيتها على الكرسى المجاور ..
واستأنفت الكتابة .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:40 PM
* بسيمة *
...........

لمحت فى عينيها نظرة داعية . خلفت شارع نجيب الريحانى ورائى ، واتجهت ناحية الدرجات الحجرية . تفضى إلى شارع فيه بيوت ودكاكين ونوافذ مفتوحة ومغلقة ومناشر غسيل ..
أهملت الانشغال بنهاية الشارع لما دخلت البنت ـ بجسدها الأنثوى ـ بيتاً من طابقين ..
ـ تعال ..
فاجأنى النداء من سيدة جاوزت الستين . فاض الكرسى الذى جلست عليه بردفيها الممتلئين . زججت حاجبيها ، وسدت فجوات التجاعيد فى وجهها بأصباغ وألوان . المقهى الذى تجلس أمامه أقرب إلى دكان من ضلفتين ، خلا إلا من نصبة انشغل وراءها رجل بدس كنكة القهوة فى الرمالة ، وثلاث طاولات ، وكراسى فارغة . وتناهى من الراديو ـ فوق الحامل الخشبى ـ صوت عبد الوهاب : مين عذّبك بتخلّصه منّى ..
قاومت التردد لحظات ، قبل أن تومئ لى بنظرة محرضة :
ـ ماذا تريد ؟
انتزعت الكلمات بصعوبة :
ـ هذه البنت ..
ـ أى بنت ؟
ـ التى طلعت فوق ..
ـ بسيمة ..
وربتت فخذى :
ـ ذوقك حلو ..
وأردفت :
ـ معك جنيه ..
دسست فى يدها خمسين قرشاً :
ـ كل ما معى ..
استعادت يدها فارغة :
ـ ما نعطلكش !
وأنا أهبط الدرجات ، تلفت ـ بعفوية ـ ورائى . وضعت السيدة فى صدرها ما أخذته من الشابين اللذين ربما قدما من الناحية المقابلة . وعلا صوتها وهى ترنو إلى شرفة الطابق الأول :
ـ بسيمة !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:41 PM
* ماجدة *
..........

قالت جدتى فى هدوء ، أذهلنى :
ـ ماجدة ماتت ..
ـ ماجدة من ؟
ـ بنت خالتك ..
ـ متى ؟ وكيف ؟
ـ اشتد عليها المرض فى الليل . أخذتها فى حضنى ، لكنها ماتت ..
ـ لماذا لم تقولى لنا ؟
ـ ولماذا أثير مشكلة بلا داع ؟.. يأتى الصباح فندفنها ..
لاحظت جدتى أن الراديو ـ على غير العادة ـ ظل مغلقاً . أصرت على أن ندير الراديو ، فلا يفطن الجيران إلى ما حدث ، وتتناثر الأسئلة والشائعات ..
علا الراديو بأغنية أم كلثوم :
يا صباح الخير ياللى معانا .. الكروان غنى وصحانا
قالت جدتى :
ـ ليس لها شهادة ميلاد .. ولن يكون لها شهادة وفاة .. حاولوا إنهاء كل شئ ..
ماجدة هى الشقيقة التوءم لطفلة أخرى هى نعمت . لم يفارقها المرض منذ ولادتها قبل أسبوع ، وتوقع الجميع موتها ، حتى أن خالتى أهملت استخراج شهادة ميلادها ..
قامت جدتى بتغسيل ماجدة ، ولفها بطيات بشكير . احتضنت جثمان ماجدة بجوار سائق التاكسى [ وعدناه بأجر زيادة ! ] ، بينما جلست خالتى وقريبة لزوجها فى المقعد الخلفى ..
اخترق التاكسى شوارع القاهرة المزدحمة ، وتوقف فى إشارات المرور . عانينا توقع الخطر حتى بلغ التاكسى ـ فى النهاية ـ مقابر الدراسة ..
حدثتك عن العقدة التى أعانيها من رؤية الموتى . لم يكن ما فعلته كذلك ، وإنما احتضان جثمان طفلة ، سعياً لدفنه . اجتذبتنى اللحظات القاسية ، فلم أفطن إلى التفاصيل . لم أدرك ما حدث ، حتى انطلق التاكسى بنا فى طريق العودة ..
هل جرى ما جرى بالفعل ؟

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:42 PM
* حسن ونعيمة *
....................

لا أذكر أين ولا متى التقيت بعبد الرحمن الخميسى للمرة الأولى . ربما اتصلت به فى التليفون ، أسأله رأيه فى بعض القضايا الثقافية ، وربما التقيت به فى مبنى الجمهورية . ولعلى تعرفت إليه فى مسرح الكورسال ، حيث كان يجرى بروفات مسرحية " حسن ونعيمة " ..
كنت قد قرأت للخميسى قصائد وقصصاً قصيرة فى المصرى والنداء ، وصياغته لألف ليلة وليلة . وشاهدت فيلم " حسن ونعيمة " الذى قامت ببطولته أشد فنانات جيلنا مصرية : سعاد حسنى ..
ما أذكره أنه اجتذبنى إليه فى لقائنا الأول ، ذلك الذى لا أذكر أين ولا متى حدث . اختلاط الطيبة والبساطة والثقافة والشخصية الآسرة . ما يسمى بالكارزماتية . لا يشخط ، ولا ينطر .. لكن الجميع ينفذون أوامره ، فلا أسئلة ولا استفسارات ..
تكررت الموضوعات التى أخذت فيها رأيه . وطلب كمال الجويلى ، الناقد التشكيلى ، ورئيسى فى العمل ـ ذات مساء ـ حواراً سريعاً مع شخصية معروفة ، فاتصلت بالخميسى . لم أجده . تجرأت ، فأجريت الحوار بينى وبين نفسى ، وقدمته إلى الجويلى ..
قال الخميسى ، بعد أن قرأ الحوار :
ـ متى أجريت معى هذا الحوار ؟
ـ كتبت ما أعرف أنها آراؤك ..
قال فى بساطته الطيبة :
ـ لم أكن أتصور أنك تجيد التعبير عن رأيى إلى هذا الحد ..
ترددت على مسرح الكورسال . تابعت بروفات " حسن ونعيمة " . الخلفية الموسيقية ترديد لمقدمة البرنامج الإذاعى ، وإن ميزت سعاد حسنى وسلوى محمود من بين زواره فى المسرح ..
طالت البروفات ـ ليلة ـ فقرر الخميسى أن يستكمل قراءة النص فى شقة بأول شارع شبرا ..
انتهت بروفة القراءة ، وبدأ الممثلون فى العودة إلى بيوتهم . دس الخميسى فى أيدى البعض ما لم أتبينه . فوجئت ـ وهو يصافحنى ـ أنه وضع فى يدى عملة ورقية . فردت يدى على الخمسين قرشاً ..
ـ ما هذا ؟
ـ مواصلاتك ..
غلبنى التأثر فبكيت . طفرت الدموع من عينى ، فلم أستطع إسكاتها . سقطت الورقة وإن ظلت يدى مفرودة كجزء من تمثال ..
بعد غيبة منى ، جاءنى صوته الضاحك ، العميق ، على التليفون :
ـ مخاصمنى ؟!.. فمن سيكتب حواراً معى دون أن أعرف ؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:42 PM
* أمل حياتى *
...............

قال الطبيب : لا أمل ..
داخلنى عاملان : توقى لأن أصبح أباً ، وإشفاقى الدائم من تحمل مسئولية الآخرين . ولأن ظروفى المادية لم تكن تتيح لى الأبوة التى أريدها ، ولا لأبنائى المحتملين ما يجب أن أوفره لهم من رعاية ، فقد أعددت نفسى لتقبل الحياة بلا أبناء ، وتصورت أن هذا هو ما أعدت زوجتى نفسها لتقبّله ..
فى زيارة إلى الطبيب للسؤال عن ظواهر مرضية شكت منها زوجتى ، قال الطبيب فى بساطة : مبروك .. المدام حامل ..
ارتبك المستقر ، واختلطت التوقعات . وحين ولدت ابنتى ، لم أكن أعددت نفسى لاختيار اسمها . أهملت الأمر حتى نبهتنى الحكيمة فى مستشفى الدكتور فؤاد رخا ، المطلة على ميدان روكسى :
ـ المفروض أن تبلغ المستشفى مكتب الصحة باسم المولودة ..
بدا الاختيار صعباً فى ارتباكات اللحظة . تناهى ـ من النافذة ـ صوت أم كلثوم . أمل حياتى ، أشهر الأغنيات فى ذلك العام ..
قال الممرض :
ـ أمل .. لماذا لا يكون هذا هو الاسم ؟
تبادلنا ـ زوجتى وأنا ـ النظرات ..
وابتسمنا .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:43 PM
* الأمل .. والهزيمة *
.........................

صباح الخامس من يونيو 1967 ..
الدنيا غير الدنيا، فى الشوارع، ووسائل المواصلات، والوجوه المطلة من الشرفات والنوافذ، والواقفين أمام البيوت، وفى النواصي، والجالسين على المقاهي. دوامات من الأسئلة والمناقشات والتحليلات والتوقعات، وأجهزة الراديو ـ على آخرها ـ تعلن بدء الهجوم الإسرائيلي، وعشرات الطائرات التى بدأ تساقطها، والحرفيون الذين اعتدت رؤيتهم حول عربة الفول أمام دار الجمهورية، مضوا ناحية كشك الشاي والقهوة المجاور، يتابعون الأنباء الجميلة ..
رددت الأغنيات حتى حفظتها : طول ما أملى معايا .. وف إيدىّ سلاح ، ولا يهمك يا ريس .. م الأمريكان يا ريس، خلّى الصحارى الواسعة تشرب دمهم .. خلّى الصقور الجارحة تنهش لحمهم .. وأغنيات وأناشيد أخرى كثيرة. الثمار الناضجة تدلت، فليس أمامنا إلا أن نمد أيدينا ونلتقطها. إذاعة أحمد سعيد تعلن توالى سقوط الطائرات. زميلي فى الجريدة عبد الحميد عبد النبى يوبخ ـ بقسوة ـ زميلنا جمال فكرى لتخوفه من إعلان انسحاب القوات المصرية إلى خط الدفاع الثاني. معنى ذلك ـ فى تقديره ـ وهو العسكري السابق ـ وقوع الهزيمة. هذه كلمات خيانة!.. سكت جمال فكري، وإن امتد أصبعه ـ بعفوية ـ يمسح دموعاً طفرت من عينيه ..
فى اليوم التالي، أذاع الراديو أغنية "وطني وصباي وأحلامي". كنت قد استمعت إليها من قبل كثيراً، وأحببتها، لكنها حركت فى داخلي ما يشبه القلق أو الخوف. ثم غنى محمد فوزي "بلدي أحببتك يا بلدي" فقارب الشك التيقن ..
عدت إلى جهاز التلكس بالجريدة، أتابع برقيات وكالات الأنباء. تبينت فجاجة الثمار ، وأدركت حجم المأساة ..
فى مساء التاسع من يونيو أذهلني تنحى عبد الناصر. اخترقت مع الملايين ظلمة القاهرة، أهتف بعودة عبد الناصر. أحبه، لكن السؤال يمتد بمساحة القلق والخوف فى داخلي: هل يترك القبطان السفينة فى عز مواجهتها للعاصفة؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:45 PM
* أبو طه *
.............

دراو ، مدينة ـ أو ضاحية ـ بالقرب من أسوان ..
لم أكن زرتها من قبل . طبيعتها صحراوية أقرب إلى بيئة الرعى . الجمال فيها أكثر من البشر . عرفت أنها أشبه بميناء أو محطة وصول للجمال من السودان إلى مصر ، تقام عليها المزادات ، أو تباع بالذمة والأمانة .
سافرت فى صحبة خبير الفنون الشعبية القديم أحمد سعد الدين . كان يرأس وفداً لصالح صندوق معاشات الفنانين . وجدت فى الدعوة فرصة لتنفيذ مشروع يماثل ما فعله شتاينبك حين صحب كلبه تشارلى فى رحلة إلى المدن الأمريكية ، ولم أكن أملك من الموارد ما يتيح لى رحلة شتاينبك .
زرنا العديد من مدن الصعيد ، حتى وصلنا إلى هذه المدينة ـ أو الضاحية ـ الصحراوية . تعرفنا ـ رغم شحوب المرئيات وقت الغروب ـ إلى الطبيعة الإنسانية البسيطة ، الطيبة . مئات من أبناء دراو بالجلابيب البيضاء والعمائم المستديرة ، التفوا حول الفنانين الذين يستمعون إليهم فى الإذاعة ، ويطالعون أخبارهم وصورهم فى الصحف ، لكنهم يلتقون بهم للمرة الأولى .
توالى صعود الفنانين على خشبة المسرح . مصطبة خشبية فى نهاية حظيرة ترابية ، أخليت من الجمال ، وأغلقت أبوابها ، إلا من زيق صغير ينفذ منه دافعو التذاكر .
غنى محمد قنديل وشريفة فاضل ، وألقى أحمد غانم بعض المونولوجات ، وتثنت وتأودت راقصة شابة لا أعرف اسمها . ولم يكن رد فعل الجمهور بالقدر الذى توقعه سعد الدين . ظل متحفظاً ، وإعجابه أقرب إلى المجاملة .
أعلن مقدم الحفل عن المطرب الشعبى محمد طه . تصورت ـ فى اللحظة التالية ـ أن ضجيج التصفيق والهتاف سيهد المكان على من فيه : أبو طه ! أبو طه !..
أدركت أن تصور أحمد سعد الدين ـ وتصور مجموعة الفنانين ـ أن مجرد وصولهم إلى هذا المكان عند ناسه يعنى أشياء ، لم يكن دقيقاً . محمد طه ، المطرب الذى يرتدى القفطان والطربوش ، ويتغنى بقيم البسطاء والغلابة ، هو المطرب الذى قدموا لسماعه !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:46 PM
* طفولـة *
............

أغنية عفاف راضى " ردوا السلام " تتناهى من الراديو الترانزستور . كان أول ما اشتريناه من أجهزة حديثة ، بعد انتقالنا من إقامة طارئة فى أرض شريف القريبة من ميدان العتبة ، إلى مصر الجديدة . العمال ينقلون الأنتريه الجديد إلى داخل الشقة . زوجتى تظهر فرحتها ، وابنتى أمل تتطلع فى حياد صامت . أما ابنى وليد فلم يكن فى السن التى تتيح له إدراك الأمور جيداً ..
بدأ العمال فى نقل الأنتريه القديم إلى خارج الشقة . تخلت أمل عن حيدتها الصامتة :
ـ لماذا ؟
أضافت لنظرتى المتسائلة :
ـ لماذا يأخذونه ؟
ـ لأننا استبدلنا به جديداً ..
هتفت :
ـ أنا أريده ..
ـ المكان ضيق ..
أعادت القول :
ـ أنا أريده ..
نقل العمال الأنتريه القديم ، ومضوا ..
غلب الشرود على نظرة أمل ، فهى لا تكاد تنتبه إلى انشغالنا بترتيب الأنتريه الجديد . ثم انتفضت ، وجرت ناحية باب حجرة النوم ، فأغلقتها عليها ..
كانت قد أسلمت نفسها للبكاء . وتبين لى قولها من خلال النشيج :
ـ الأنتريه بتاعى !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:47 PM
* يا عشاق النبى *
....................

كان عبد الفتاح الجمل ظاهرة ثقافية ..
أتاح له إشرافه على القسم الثقافي بجريدة " المساء " أن يقرأ فى القصة والرواية والموسيقا والفن التشكيلى والتاريخ وعلم الاجتماع ، وغيرها مما كان مسئولاً عن إجازته ، ونشره ، فى الصفحة الثقافية ..
كنت أعتبر الجمل مثلاً للمثقف الذي يتابع ـ بالضرورة ، وبحب للمعرفة ـ معظم ما ينتجه الواقع الثقافي ، سواء كان مؤلفاً أم مترجماً . ومن المؤكد أن جيل الستينيات يدين للجمل بفضل الرعاية والتقديم ، ليس فى جنس أدبي أو فني محدد ، وإنما فى كل مجالات الإبداع الإنسانى ..
لأنى أحب الموسيقا الشرقية، الربع تون، المقامات، التطريب، فقد كان اختلافى مع الجمل فى رفضه المعلن للموسيقا الشرقية، رغم حرصه على نشر مقتطفات من التراث العربى فى الشعر والسرد، فهو يذكرنى بأستاذنا حسين فوزى الذى أجاد الغوص فى بحار التراث العرب ، وأعلن انحيازه الكامل ـ فى الوقت نفسه ـ للثقافة الغربية . كانت تتناثر فى قعدة الجمل أسماء سارتر ودى بوفوار وهمنجواى وديستويفسكى وفلوبير وفرويد والوجودية والسوريالية والرواية الجديدة وغيرها. كانوا يغالون فى رفض التراث، وفى رفض الأداء العربى بعامة. ولولا أن اللغة العربية كانت هي لغة الكتابة، ربما دعوا إلى الكتابة بلغات غربية. وكنت أشك أن رفض الجمل هو مجرد مسايرة لمن يجالسونه !.
أعجب بيحيى حقى الذى أحب الموسيقا الشرقية ، وأجاد سماع الموسيقا الأوبرالية . الإعجاب بنتاج ثقافى لا يعنى رفض النتاج الثقافى المغاير . لكن ذلك ما كان يحرص عليه رواد قعدة الجمل ، وإن ظللت على ثقتى فى أن ترديده لآرائهم لم يكن سوى مسايرة .
مع ذلك ، فقد كان الجمل يدندن ـ فى أثناء عمله ـ بأغنيات شعبية وشرقية ..
سمعته يردد : يا عشاق النبي .. صلوا على جماله ..
قال فيما يشبه الارتباك:
ـ مجرد لحن تذكرته !
زرت عبد الفتاح الجمل فى شقته بمدينة نصر ..
اجتذبنى الطابع الشرقى الذى وسم كل ما فى الشقة . حتى اللوحات المعلقة على الجدران لتكوينات من الفن الإسلامي والحروف العربية. وتناهت من الريكورد كاسيت القريب موسيقا شرقية خافتة ..
أبديت ملاحظة حول اقتصار مكتبة الجمل على الموسيقا والأغنيات الشرقية ..
التفت الجمل ـ بعفوية ـ ناحية الجزء الموسيقى فى مكتبته . هز رأسه بما يعنى التهيؤ للكلام. تحركت شفتاه .. ثم ظل صامتاً .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:47 PM
* بنات طارق *
.................

لست أذكر متى بدأ الأمر ، ولا كيف تطور ، حتى هددنا ولد دادى رئيس الإذاعة الموريتانية ، والقيادى المهم فى الحزب الموريتانى الحاكم ، أنهم سيضطرون إلى اعتبارنا أشخاصاً غير مرغوب فيهم ..
سألت أستاذنا محمد فتحي:
ـ ماذا تعنى هذه الصفة ؟
افتر فمه عن ابتسامة هادئة :
ـ تعنى أنهم قد يرحلوننا عن نواكشوط بالقوة !
ـ لكننا نحن الذين نطلب الرحيل ؟
دون أن تزايله ابتسامته :
ـ هذا هو معنى الصفة ..
وقضيت ليلة مزعجة ، أسلمت نفسي فيها لهواجس ووساوس وتصورات ..
لم نفرض التوتر ، ولا سعينا إليه . كنا نعانى فراغاً قاتلاً ، فالمحاضرات التى نلقيها فى بيت الثقافة المهدى من الصين تنتهي عند الظهر . ونتلفت ـ بعد الغداء ـ حولنا ، نتساءل عن أي الأماكن نقضى فيها بقية اليوم ؟
حاولنا أن نقضى إجازة الأحد فى رحلة إلى السنغال . نعبر النهر إلى الضفة المقابلة ، نمضى النهار ونعود .. لكن الشرطة أعادتنا فى بداية الطريق ..
اعتبرنا ما حدث إجراء سخيفاً يشي بديكتاتورية الدولة التي قدمنا لتدريب كوادرها الإعلامية، وتطوير الإذاعة، وبث برامج التليفزيون، وإصدار الجريدة الأولى ..
نقل الأرصاد استياءنا إلى ولد دادي. زارنا فى فندق مرحبا. رفض مجرد أن يستمع إلى وجهة نظرنا. علا إيقاع المناقشة حتى وصلت إلى طريقها المسدود ..
كان الوفد يضم عراقياً وجزائرياً وخمسة مصريين. وأجريت ـ فى أثناء الليل ـ اتصالات بين سفارات الدول الثلاث ووزارة الإعلام الموريتانية. واعتذر الوزير بأن مدير الإذاعة أساء الفهم والقول. أضاف إلى اعتذاره حفلات استقبال فى فندق بارك وسط العاصمة الموريتانية، وفى خيام على أطراف المدينة ..
حفلات الخيام هي أجمل ما بقى فى الذاكرة. فرق غنائية، قوامها مطربات وعازفات وراقصات يتعالى شدوهن الجميل:
نحن بنات طارق نمشى على النمارق

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:48 PM
* يا اسمرانية *
.................

استمعت للأغنية فى اليوم الأول لوصولى إلى مسقط ..
صحبنى الشيخ سليمان الطائى وعبد الحكيم أحد أبنائه ـ من حق تعدادهم القليل ألا يعترفوا بتنظيم النسل ! ـ إلى فندق الكورنيش بمطرح . مبنى قديم ، له عراقة وحميمية تجتذبك رغم أنه فى مستوى أدنى من فنادق الفلج والخليج ومسقط إنتر كونتيننتال التى شيدت فروعاً لها فى العاصمة العمانية ..
طالعنى مبنى جريدة الوطن المشيد من الخشب والصاج . يرتفع عن الطريق بثلاث درجات من الأسمنت ..
تجاوزت ـ بالبدء فى خطوات إصدار جريدة من نقطة الصفر ـ ما أحاط بى من دشاديش ، ومسرات ، وطواقى ، ولهجات تغيب عنى مفرداتها ، وإحساس بالوحدة ، وجبال تبدأ من حيث لا أعرف ، وتمضى إلى نهايات مجهولة ..
بدت أغنية ليلى عبد العزيز لا لا يا اسمرانية مغايرة لما كنت أستمع إليه فى القاهرة . شدنى جمال الأداء ، وبساطة الكلمات ، وسهولة اللحن ، وسرعة الإيقاع ..
عرفت ـ بعد أن صادقت محيى الدين البائع الهندى فى كشك السجاير المجاور ـ أنه يدير الأغنية على ريكوردر كاسيت ..
تكررت ـ فيما بعد ـ مناداتى له من داخل " مبنى " الجريدة : يا محيى الدين .. يا اسمرانية !
أحاول أن أنتزع نفسى من مشاعر حزينة ، إلى ما يعين على الهدوء .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:48 PM
* قارئة الفنجان *
...................

سكتت والخوف بعينيها .. تتأمل فنجانى المقلـوب
قالت يا ولدى لا تحزن .. الحب عليك هو المكتوب
استمعت إلى الأغنية ـ للمرة الأولى ـ فى فندق زهرة النرجس بالرياض . كانت تلك أولى رحلاتى ـ بمفردى ـ خارج مصر . تعددت الرحلات ضمن وفود إلى أكثر من بلد عربي، نحاضر فى صلة الإعلام بالتنمية، ونشرف على متدربين يعدون الجريدة الأولى، والبث الإذاعي الأول، والإرسال التليفزيونى الأول ..
ترددت طويلاً قبل أن أوافق على فكرة السفر. لم أكن أعرف موقع عمان على الخريطة ، ولا ظروفها السياسية ولا الاجتماعية. اقتصرت المعلومات التى زودنى بها صديقى عاطف الغمرى الذى زكانى لإصدار جريدة "الوطن" العمانية ، على ما يثير وجدانى ـ أو يستفزه ـ من الحياة التى تستعيد ـ على حد تعبيره ـ ليالى ألف ليلة ..
ولأن أسرة تحرير الجريدة كانت تتألف من شخص واحد، هو مدير التحرير ، وهو طاقم المحررين ، وهو الساعي .. فقد سافرت إلى الرياض باعتبارى المحرر الرياضى للوطن، لتغطية المباراة النهائية فى كرة القدم على كأس الملك خالد ..
نزلت فى فندق زهرة النرجس. عانيت الشعور بالوحدة يومين ، ثم فتشت عن أصدقائى القدامى الذين كانوا يقيمون فى الرياض آنذاك : محمد قطب ومحمود فرج وقطب . واكتسبت صداقات جديدة ، أذكر منها الفنان التشكيلى جمال قطب ، والسياسى السودانى أحمد محمد محجوب ، والدكتور أحمد حسين الصاوى ، والمعلق الرياضى الفلسطينى أكرم صالح ، وغيرهم ..
أستمع إلى أغنية عبد الحليم حافظ . يعيدنى الأداء والكلمات واللحن إلى تلك الأيام التى كانت بداية ـ مجرد بداية ، فالمشوار طال ـ إلى محاولة الخروج من الانطواء على الذات ، والإقبال على حياة الجماعة.

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:50 PM
* يا زايد فى الحلاوة *
.........................

كنت ـ قبل أن ألتقي به للمرة الأولى ـ قد استمعت إلى العديد من أغنياته فى إذاعة الإسكندرية. أضاف إلى مكانته عندي ذكر نجيب محفوظ فى روايته "ميرامار" لأغنيته الشهيرة "يا زايد فى الحلاوة عن أهل حينا .. ما تبطّل الشقاوة وتعال عندنا". اختصر مقدمات الصداقة ، وكلمني باعتباري صديقاً ..
لم يضايقه اختلاف آرائنا. حدثته عن بحري ونجيب محفوظ وعبد الحليم حافظ ، وحدثني عن الغناء سيداً وحيداً فى حياته ..
فوّت ملاحظتي عن بحري فهو يحبه مثلي، ونجيب محفوظ لأنه لا يعرفه. أما عبد الحليم حافظ فهو ـ فى تقديره ـ مجرد مغن أتاحت له الظروف ـ فضلاً عن الذكاء الاجتماعي الذي لم ينكره ـ أن يحتل مكانة هو أجدر بها منه ..
قال لي عزت عوض الله: إن عبد الحليم مجرد بروباجندا ، ورسم على الناس. اليتم والملجأ والفقر وادعاء صداقة كبار الإعلاميين!. حتى البلوفر أو السويتر الذي يلقيه عبد الحليم على كتفه، يحرص على أن يكون ذلك بطريقة لافتة ..
كان فناناً ـ بالفعل ـ فى طيبته وتلقائية تصرفاته ، وفى حرصه على صباغة شعره ، وطريقة تصفيف الشعر ، ونوعية ثيابه ، ودندناته ـ ربما بلا مناسبة ـ بأغنياته ، وأغنيات المطربين القدامى ..
تعددت لقاءاتنا. أحرص، فلا أتكلم إلا فيما يشغله. وكانت المكانة التي حصل عليها عبد الحليم بدلاً منه هي شاغله الذي لا يمل التحدث فيه. وتطلع إلى مشروعات فنية لا يهجر من أجلها إلى الإسكندرية. فإذا اضطر لأن يبتعد عنها ـ كم يحب أهل الإسكندرية مدينتهم ! ـ فإنه يسافر ويعود، دون أن يقضى فى القاهرة ليلة واحدة ..
وتباعدت لقاءاتنا ، وإن حرصت على البحث عنه فى كل عودة إلى الإسكندرية. يكرر ما ألفت سماعه عن الظروف المعاكسة، والخطط التي أُحسن تدبيرها، والفرص التي سرقها منه الآخرون. ويتحدث عن أغنيات جديدة ومسرحيات استعراضية وأفلام، وعن فرق تجوب مدن الوطن العربي، تلقى عصا "عوض الله" فتبتلع أفاعيل الحواة، ورفت على شفتيه بسمة طفل لما جاء فى قول صديق: بصفتك الآن مطرب الإسكندرية الأول. فهو قد ظفر بالأولوية ، ولو فى داخل حدود مدينتنا ، وإن غلبني الإشفاق للرائحة التى كانت تفوح من فمه. وأدركت أن الشعور بالإحباط يدفعه لتعاطي الخمر!
استدعت وفاة عبد الحليم حافظ فى 1977 أحاديث عزت عوض الله: مقارناته وطموحه وإحباطه ..
سألت محدثي ـ فى مكالمة تليفونية بين مسقط والقاهرة ـ :
ـ أرجو أن تسأل عن صديقي المطرب عزت عوض الله ..
أجاب محدثي فى نبرة تتخللها الدهشة :
ـ ألا تعرف؟.. لقد مات منذ سنوات !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:50 PM
* صياد *
..........

مضيت إلى داخل بحرى : الأنفوشى والسيالة ورأس التين وغيرها من شياخات الصيادين وغازلى الشباك والعاملين فى القزق [ ورش المراكب ] وفى الميناء ، والبحارة . اعتدت المشوار من بيتنا فى شارع سكانه من الموظفين والمهنيين [ مهندسين وأطباء ومحاسبين إلخ ] إلى بيئة مغايرة ، مذاق مختلف . أحبه ، وأحاول التعرف إلى تفصيلات حياته اليومية . القيم والمثل والمعتقدات والعادات والتقاليد ..
هذه المرة ، كنت أسعى إلى مقابلة " السدا " ، مطرب المنطقة المحددة بين ميدان أبو العباس إلى سراى رأس التين . يتغنى بالصيادين وركوب البحر والنوة ورزق يوم بيوم . كنت قد بدأت فى جمع المواد لمشروعى القديم " رباعية بحرى " . التعرف إلى ملامح البيئة ، والتقاط الجزئيات التى ربما تفيد فى رسم لوحات الرباعية . همى أن أحصل من " السدا " على نصوص أغنياته ، وبواعث غنائها . كل أغنية ـ أتصور ـ لها مناسبة ، بحيث تفيد فى مناسبة الحدث الروائى ..
عرفت من أصدقائى أنه يجلس على قهوة الزردونى فى السيالة . إذا غاب عنها ، فإنه يجلس على باب دكان الحاج محمد سليط الحلاق ، أو قبالة أحد دكاكين السيالة ..
أجهزة الريكورد كاسيت تعلو منها أغنية " صياد " لمحمد رشدى . أدركت معنى انتشارها حتى على عربات اليد التى تحمل مسجلات ..
بدا فى حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى جلباباً أبيض مكوياً ، ونظيفاً . ويدس قدميه فى شبشب جلدى . أميل إلى البدانة ، وشعره مهوش فوق رأسه ، وعيناه دائمتا الارتجاف ، كأنهما تعانيان ألماً ، بينما أصابعه تداعب طرف شاربه الذى غطى شفته العليا ..
قال لى السدا :
ـ إنهم يحبون الأغنيات التى تتحدث عنهم ، أو تخاطبهم ..
ورفع كتفيه :
ـ لن يسمعنى أحد لو خلت أغنياتى من الصيد والصيادين ..
وأردف فى تأكيد :
ـ هذا صحيح .. لكل أغنية مناسبة .. وحياة الصيادين ليست فى البحر وحده .. إنها فى المناسبات الطيبة أيضاً .. الخطبة والزفاف والختان ..
ودندن بالأغنية :
قاعد على الرمل وحدى فى عز ضهرية
الشمس فتحت دماغى .. يا نارى يا عنيه
ومن هوا البحــر ما شعرتش بحنيـه
تلسعنى نار الجوى .. تحرقنى .. أتلوى
يا حلـو عطفك لروحى ضـل شمسية

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:51 PM
* البشر *
...........

ودعت من أحبهم فى مطار السيب الدولي. أدرت راديو السيارة ، فعلا صوت نجاة الصغيرة : حبايبنا عاملين إيه .. فى الغربة واخباركم إيه ؟..
وجدت فى الأغنية ـ التي بدت مصادفة تتسق مع اللحظة تماماً ـ تعبيراً عن شوق لابد أن يشعر به من ودعتهم الآن، بعد أن يعودوا إلى الوطن ..
سبقتنى اللهفة ـ بعد أقل من شهرين ـ إلى مطار القاهرة ..
لكن الغدر واجهني بما لم أكن أعرفه ولا أتصوره: كيف تتبدل المشاعر الإنسانية إلى هذا الحد؟ ماذا يبين من حقيقة النفس، وماذا يختفي؟ كيف تتحرك شفتا المرء بعبارات الود، بينما اليد تتخفى ـ بالخنجر ـ فى داخل الثوب ؟.
المثل الشعبى يقول: "من أمّنك لم تخونه ، ولو كنت خاين". أنت لم تكتف بمنح الأمان، وإنما منحت حياتك كلها: الحاضر والمستقبل والأفكار والأحلام الصغيرة. كيف نصف بالتوحش حيوان الغابة، وبعض البشر ينطبق عليهم ما نصف به الحيوان الذي لا يقتل إلا إذا قرصه الجوع ؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:51 PM
* فايزة أحمد *
................

لاحظ حسين مرسى ـ زميلى فى " الوطن " العمانية ـ أنى أتخلى عن الشرود ، وربما الحزن ، حين يترامى صوت فايزة أحمد من دكان محيى الدين ، بائع المأكولات الهندى المجاور فى سوق الخضر ..
أحب صوت فايزة أحمد. أعتبره صوتاً متكاملاً. خارج المنافسة بلغة الاقتصاديين . أتابع أغنياتها منذ: ما تحبنيش بالشكل ده .. أنا قلبى إليك ميال .. يا امه القمر ع الباب .. تضاعف حبي فى أغنياتها الطويلة .. هذا هو الطرب كما ينشده وجداني، يحسن استقباله. الموجة الصحيحة. لا شأن لي بطبقات صوت ولا مقامات ولا حتى ما قد يشوب الأغنية من سخف كلمات، أو سذاجة لحن. أحب الصوت فى ذاته. يضعنى ـ بسماعه ـ فى قلب النشوة ..
أدركت أن الملاحظة أصبحت حدساً. حسين مرسى يسألنى : مش عاوز تسمع فايزة ؟.. أو يلطف من حدة انشغالي: روق وانا اسمعك فايزة .. ويسألنى ذات يوم: تحب تسمع مين غير فايزة ؟
تتكرر ملاحظة حسين مرسى لفعل الصوت الجميل فى وجداني. أشرد، أو ينتابنى القلق أو الحزن ، أو يهدنى التعب.
الأحلام التى قدمت بها من القاهرة، واجهها انعدام الوسائل ، وموقع الدكان فى قلب السوق [ كان مبنى الجريدة مجرد دكان خشبى ، وسقفه من الصفيح ! ] ، واقتصار طاقم التحرير على شخص واحد ، والاكتفاء بنقل أخبار الإذاعة العمانية ، بينما تتكفل المطبعة ـ فى بيروت أو الكويت ـ بالقص واللصق فى بقية الصفحات. وسّط الشيخ سليمان الطائى صديقى عاطف الغمرى لأعدل عن قرار العودة. أردف وعداً بأن يجاوز الوضع ـ فى مداه القريب ـ صورته القائمة. انداحت فى أعماقى ـ وفى تصرفاتى الظاهرة أيضاً ـ مشاعر الاستياء والغضب، والإحساس بأنى بعت مستقبلى لقاء بضعة ريالات. وكنت أستعيد نصائح يحيى حقي وسهير القلماوي ونجيب محفوظ. تتفق فى المعنى ، وإن اختلفت فى الكلمات: ما معنى أن تحصل على جائزة الدولة فى الأدب، ثم تسافر إلى الخليج للارتزاق من الصحافة؟!
يختار حسين مرسى شريط كاسيت بصوت فايزة ـ اقتنى حسين كل أغنياتها ! ـ يدسه فى الجهاز . يتجه ناحيتي بابتسامة ود ..
يثق من رد الفعل.

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:52 PM
* حنين *
..........

صباح مسقط ..
السيارة تمضى على طريق الكورنيش بمطرح . تميل إلى منطقة ريام . الجبال ـ على اليمين ـ صخرية ، مرتفعة ، تبدأ من البداية ، وتنتهى فى اللانهاية . مشوار كل صباح لأوصل زوجتى ـ مدرّسة ـ وابنتى ـ طالبة ـ إلى مدرسة الزهراء الثانوية ..
أدير جهاز الكاسيت على الأغنية التى أتذكرها ـ فى بداية مشوارنا الصباحى ـ أو تذكرنى بها زوجتى أو ابنتى . يعلو صوت علاء عبد الخالق وحنان ومنى عبد الغنى :
مصر انت حتة منى .. مش مجرد اسم وطنى
عيناى ـ فى قيادتى للسيارة ـ تنظران إلى الطريق ، دون أن أعى ملامحه جيداً . تنقلنى كلمات الأغنية إلى ميدان الحسين ، وطريق القاهرة ـ الإسكندرية الزراعى ، والمينا الشرقية ، واللائذين بمقام أبو العباس ، وعربة أبو فروة على ناصية شارع زاوية الأعرج ، وحلقة السمك ، وصيد المياس فى العصارى ، ولعب الكرة فى الشارع الخلفى ، ومرسى القوارب ، وتلاقى الأذان من مآذن المساجد فى بحرى ، وأهازيج السحر ، وبائع الصحف لصق جدار أجزخانة جاليتى ، وحلقات الذكر أمام سيدى البوصيرى ، والنخيل السلطانى فى ميدان المنشية ، وزحام شارع الميدان ..
أتنبه على صوت ابنتى : المدرسة ..
أضغط على الفرامل . أتأمل ما حولى بنظرة غير واعية . أرد على تلويحة كل من الزوجة والابنة وهما تغيبان داخل المدرسة . أنطلق بالسيارة ، يسبقنى الشرود إلى فضاءات بينى وبينها مدن وصحارى وبحار ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:52 PM
* ديبلوماسية *
................

كان العمل فى إعداد " الوطن " يستغرقنى معظم ساعات اليوم . متعتى الوحيدة ـ فضلاً عن متعة العمل ـ أن أستمع إلى أغنيات أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وعبد الحليم وليلى مراد ونجاة وفايزة أحمد ..
لاحظ الرجل أنى أستعيد أغنيات فايزة أحمد :
ـ هل هى مطربتك المفضلة ؟
استطردت :
ـ لكنها ليست مطربتى الوحيدة ..
قدم لى ـ فى زيارته التالية ـ شرائط فيديو . قال :
ـ الفن ليس غناء فقط ..
وضعت الشرائط فى جهاز الفيديو ، فذهلت . كلها أفلام ساخنة ، بورنو . عمق من ذهولى أن صفة الرجل الديبلوماسية تضعه بعيداً عن التصرفات المشبوهة ..
أرفقت الشرائط ـ وأنا أعيدها إليه ـ برفض لمثل تلك المتع المريبة ..
لم يكن مبعث تصرفى ـ أعترف ـ موقفاً أخلاقياً ، بقدر ما كان خوفاً من المجتمعات الديبلوماسية التى لا أحسن العوم فى مياهها . ثمة صيادون وقراصنة وأسماك متوحشة ومخلوقات تفوق فى شراستها عجائب المخلوقات التى تحدث عنها القزوينى ..
قدم الرجل نفسه ـ فى الزيارة الأولى ـ ملحقاً ثقافياً فى سفارة عربية ـ أستأذنك فى إسقاط الاسم ـ واقتصرت أحاديثنا على القضايا الثقافية . وكانت حصيلته المعرفية ـ فى الحقيقة ـ وافرة . ولم تبلغ اختلافات آرائنا حد التضاد ..
تصورت ـ وأنا أقرأ الصحف فى إجازة بالقاهرة ـ لحظات إلقاء الشرطة العمانية القبض على الشاب الذى يبلغ بالكاد عامه الخامس والثلاثين ، وهو ينقل الأسلحة من سيارته الديبلوماسية إلى سيارة ملاكى يستقلها شبان عمانيون ..
استعاد التصور زيارات الشاب لى ، ونفضت رأسى من السؤال : ماذا كان يريد بهديته الزرقاء ؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:53 PM
* الغناء *
..........

كان انشغالى فى جريدة " الوطن " قد استولى على وقتى تماماً . لم يتح لى ـ فى مدى أكثر من ثمانى سنوات ـ أن أغادر مسقط ، فيما عدا زيارات متباعدة إلى الضواحى ، وإلى مدن الأقاليم . حتى شراء احتياجاتنا البيتية كنا نخصص لها ساعتين أو أقل كل أسبوع . فإذا أدركنا الملل ـ زينب وأنا ـ من روتين العمل اليومى ، كنا نركب السيارة ، ونمضى فى طريق المطار إلى نهايته ، ونعود . يبدأ أحدنا بمقطع من أغنية . يلتقط الثانى البداية . نستكمل الأغنية معاً ، حتى تنتهى . نكرر ما فعلناه فى أغنية ثانية ، وثالثة ..
ينقلنا الغناء إلى أعزاء نحن إليهم ، وأماكن نحبها ، ومناسبات تحيا فى الذاكرة ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:53 PM
* شاي بالحليب *
...................

لحظات ما قبل الصباح . كشك صغير من الخشب على ناصية شارع ينحدر إلى أسفل ، بين اختراقات الجبال السبعة فى العاصمة الأردنية ، فى صعود الشوارع ونزولها وتعرجها . الأبواب والنوافذ مغلقة ، أو تتثاءب ، وأصوات العصافير تعلو فوق الأشجار ، ونسمات برد خريفية تلتقى فى تقاطعات الطرق ..
يجلس ـ قبالة الكوخ ـ رجل فى حوالى الستين . أمامه ترابيزة صغيرة ، عليها كوب شاى بالحليب ، وعبر نافذة الكوخ تترامى أغنية أم كلثوم :
يا صباح الخير ياللى معانا .. الكروان غنى وصحانا
فاجأتنى الطائرة بالهبوط فى مطار عمان . رحلتى من مسقط إلى القاهرة . دفعت كل ما معى من نقود ، ثمناً للوزن الزائد ـ عادة المصريين ! ـ وصعدت إلى الطائرة . يدفع لى من ينتظرنى فى مطار القاهرة ما قد أحتاج إليه من نفقات ..
الترانزيت ـ أربع ساعات ـ أتاح لى النزول إلى قلب عمان ..
أبطأت خطواتى . توقفت تماماً . أعدت تأمل المشهد : الرجل ، وأغنية أم كلثوم ، وكوب الشاى بالحليب ..
بدا لى كوب الشاى فى يد الرجل أجمل شىء فى الدنيا كلها .

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:54 PM
* شافية أحمد *
.................

أحببت الصوت فى الأغنية ، قبل أن أعرف صاحبته :
يا حلاوة ام اسماعيل فى وسط عيالها زى النجفة قعدة تلعلع بجمالها
عرفت من أبى أن المطربة هى شافية أحمد ، وأنها عوضت نعمة البصر بنعمة الصوت الجميل . شغلنى الاكتشاف الذى لم أكن أعرفه ، وقرأت عن شافية أحمد ، وغنائها بديلاً لممثلات يحركن أفواههن بصوتها ، وأطلت تأملى لصورتها عندما طالعتها فى جريدة [ أدركت أن النظارة السوداء تعنى فقد البصر ] ، واستطعت أن أميز صوت شافية أحمد فى أغنيات أخرى ، من أميزها : يا عاشقين الورد .. جوز الخيل والعربية .. وغيرها مما أسقطه مضى الأعوام من الذاكرة ..
أخذنا حديث الغناء ـ مع أصدقاء ـ فى جلستى بفندق شيراتون الكويت ..
قلت :
ـ شافية أحمد من الأصوات المظلومة ..
قال صديق كويتى :
ـ بالعكس .. أنا أدمن صوتها ، وعندى تسجيل أعددته بنفسى لكل أغنياتها ..
وأهدانى الصديق ـ فى اليوم التالى ـ نسخة من شريط أغنيات شافية أحمد .. هو الآن من أثمن ما تضمه مكتبتى الموسيقية !

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:54 PM
* أمانة *
...........

لأنه بقى على موعد تحرك قطار القاهرة أكثر من ساعة، ولأن شارع عبد المنعم الذى سجلت ما أريد من قسماته المعمارية يبعد عن ميدان محطة مصر حوالى نصف كيلو متر، فقد فضلت أن أفيد من الوقت ـ أرفض مقولة قتل الوقت ، فالوقت هو الذي يقتلنا ! ـ ودخلت دكان حلاق مجاوراً لمطعم البغدادى بائع الفول والفلافل، شجعني ـ ربما ـ صوت فايزة أحمد يغنى فى داخل الدكان : أنا قلبي إليك ميال .. ولا فيش غيرك ع البال ..
أومأ صاحب المحل برأسه إلى رجل فى حوالى الخامسة والأربعين . الأنف ضخم، والوجنتان متهدلتان، والعينان ضيقتان يعلوهما حاجبان مهوشان ، وفى زاوية الجبهة اليمنى سحجاً إلى ما وراء الأذن ..
وضع الرجل الفوطة على صدري، وأدارها حول العنق، لتحول بين الشعر المتساقط والنفاذ من ياقة القميص. جرى بالمقص إلى الحد الذي أريده. ثم لجأ إلى الماكينة يزيل زوائد الشعر من القفا، ويصنع ما اصطلح على تسميته بالتدريجة ..
ظل الرجل يصعد بالماكينة فى قفاي ويهبط، حتى أحسست بالسخونة تؤذيني . خاب توقعي أن يرفع الرجل ماكينته ، وينتهي الأمر ..
همست فى نبرة متألمة :
ـ هل بقى شعر لتزيله الماكينة ؟!
اقترب بفمه من أذني:
ـ أرجوك يا أستاذ .. أنا مستجد على المحل .. ما يصحش أسلم الشغل ناقص!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:55 PM
* عادة *
..........

وضعت شريط أغنيات فايزة أحمد فى جهاز الكاسيت . بالضبط كما كنت أفعل فى مسقط . ينتهي الشريط ، فينغلق الجهاز ـ أوتوماتيكياً ـ بعد أن أروح فى النوم . حدست ـ منذ عودتي إلى القاهرة ـ أنى لن أستطيع النوم فى غير ما ألفته طيلة أعوام الغربة. تناهى صوت فايزة أحمد رائقاً، جميلاً: وقدرت تهجر ..
لما جاء الصباح ، ناديت شاهين البواب. طلبت عونه فى تحريك الثلاجة من المطبخ إلى حجرة النوم . افتقدت الصوت الرتيب الذي كانت تصدره الثلاجة فى غرفة نومي بمسقط ..
أيقنت أن أرق الليلة الماضية لن يتكرر ..

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:55 PM
* محمود فياض *
..................

قرأت الخبر ، فطويت الجريدة ، وقذفت بها على الطاولة أمامى ..
محمود فياض !..
كان يجلس أمام دكان حلوانى الطيبين فى الناحية المقابلة من بيتنا . أتأمل فى جلسته الهادئة، الصامتة، ما كتبته الصحف عن هتاف "يا قوة الله"، وهو يرفع ثقل الحديد ، فيفوز بالميدالية الذهبية ، وأتأمل فى جسده العفى أحاديث أبى عن إفطاره الذي لا يقل عن عشر بيضات ، وأنه يأكل أقة بسبوسة من الطيبين فى وجبة واحدة، وأنه حطم كرسياً بضربة فى الرصيف حتى لا تخذله أعصابه فيؤذى من علا صوته أمامه ..
لم أره يتبادل الحوار مع أحد ، فهو يجلس بمفرده، وإن بدت عليه الفرحة ، وشارك بالتصفيق ، عندما يتوقف المطرب "سيد حلال عليه " أمام الدكان ، فى جولته بالحى ، يردد على دقات النقرزان :
اقروا الفاتحه لابو العباس .. يا اسكندريه يا أجدع ناس
لولا أنى أعرف الطيبين لتصورت محمود فياض صاحب الدكان. لم تشغلنى صلته بالدكان ولا بصاحبه ، وإنما شغلنى البطل وراء الرجل.
غادرت الإسكندرية . كنت أنظر فى عودتي ـ بعفوية ـ إلى الموضع الذي اعتدت ـ زمان ـ رؤيته فيه ، وأتذكر الجسد العفي والجلسة المسترخية ..
استعدت الخبر ..
لم يفاجئنى الموت ، فهو حق علينا . ما فاجأني ـ الأدق أنى ذهلت ـ فى إشارة الخبر إلى أن محمود فياض مات فقيراً ..
ما معنى أن يكون الإنسان بطلاً ؟!

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:56 PM
* لسّه بدرى *

هلّ البدر بدرى .:. والأيام بتجرى
والله لسّه بدرى .:. يا شهر الصيام
أحب الأغنية. أترقب سماعها فى أيام رمضان الأخيرة . كأنى أترقب الأسى. أشعر أن عاماً فى حياتي يوشك أن يغيب. حداً فاصلاً بين ما مضى وما سيأتى ..
كم عمر الإنسان؟ خمسون؟ ستون؟ سبعون؟ .. هو ـ فى النهاية ـ عمر محدود. رمضان الذي يولّي، صفحة تطوى فى كتاب محدد الصفحات ..
يجتذبني الشرود إلى عوالم أعرفها، وأخرى لا أتبين ملامحها. تختلط الأحداث والشخصيات، فتغيب المعاني، إلاّ أنه لا سبيل إلى استعادة ما فات ..
يأتي العيد . تتلوه أشهر العام الهجري، ويهل رمضان. أعيش روحانيته وطقوسه وتقاليده وعاداته، حتى يتم البدر ـ كما تقول الأغنية ـ وأترنم حزيناً : والله لسّه بدري يا شهر الصيام !
......................
(انتهى الكتاب)

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:56 PM
مؤلفات محمد جبريل
.......................

1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال
12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 هيئة الكتاب
21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال
41 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى
42 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2—4 ـ دار البستانى
43 ـ صيد العصارى ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى
44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال
45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة
46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستانى
47 ـ ما لا نراه ( مجموعة قصصية ) 2006 ـ دار البستانى
48 ـ مواسم للحنين ( رواية ) 2006 ـ رواية ـ دار البستانى.

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 01:57 PM
كتب عن المؤلف
..................

1 ـ الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق
2 ـ دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق
3 ـ البطل المطارد فى أدب محمد جبريل ـ د. حسين على محمد ـ دار الوفاء بالإسكندرية
4 ـ فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ د . ماهر شفيق فريد ـ دار الوفاء بالإسكندرية .
5 ـ محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ كتاب سمول
6 ـ استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر
7 ـ تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة
8 ـ فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 ـ أصوات معاصرة
9 ـ روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 ـ هيئة قصور الثقافة
10 ـ محمد جبريل ـ مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 ـ أصوات معاصرة
11 ـ السيميائية فى النظر إلى أسفل ـ عبد الرحمن تبراميسين ( دكتور ) و ......... ـ 2004 ـ أصوات معاصرة
12 ـ المنظور الحكائى فى روايات محمد جبريل ـ محمد زيدان ( دكتور ) 2005 ـ أصوات معاصرة
13 ـ التراث والبناء الفنى فى روايات محمد جبريل ـ سمية الشوابكة ( دكتورة ) 2005 ـ هيئة قصور الثقافة
14 ـ بنية الخطاب الروائى فى أدب محمد جبريل : جدل الواقع والذات ـ النظر إلى أسفل نموذجاً ـ آمال منصور ـ 2006 ـ أصوات معاصرة.

نسيم وسوف
16/05/2010, 10:52 PM
أخي الأديب د. حسين علي محمد

لا يكفي الشكر لما قمت به وتقوم..

عمل تستحق لأجله كل الثناء والعرفان من أي مهتم بالأدب..


كل الاحترام والتقدير

د. حسين علي محمد
16/05/2010, 11:02 PM
أخي الأديب د. حسين علي محمد

لا يكفي الشكر لما قمت به وتقوم..

عمل تستحق لأجله كل الثناء والعرفان من أي مهتم بالأدب..


كل الاحترام والتقدير

ُكراً للأديب الأستاذ المبدع
نسيم وسوف
على التعليق الجميل،
مع تحياتي.

جمال سامي عواد
17/05/2010, 04:03 PM
اغنيات كخيط السبحة , ضمت حبات من الأحداث و الذكريات , ربما يوجد هنا ما يدفعنا إلى التساؤل و التفكير مليا في معنى الأغنية الجميلة و دورها .
كما ان الثراء الكبير للبيئة المصرية عموما , و الإسكندرانية على وجه الخصوص ,أعطى بعدا قوميا لكلمات اكتفت بالقطر إطارا لها.
ولكن ما أثار استغرابي فعلا , غياب ذكرسيد درويش , حيث ذكر مرة واحدة لماما , مما دفعني إلى الشك بان هذا يعبر عن موقف ما من هذا الفنان العظيم المجدد , و الذي لا يمكن لشخص عاش حياة كحياة الكاتب , مضبوطة على إيقاع الأغاني التي نحبها كلنا حتى خارج مصر , ان يتجاهله .
كل الشكر لك د. حسين و لجهدك في إثراء مكتبة البراري

د. حسين علي محمد
20/05/2010, 01:26 PM
شُكراً للأديب المبدع الأستاذ
جمال سامي عواد
على المشاركة بالتعقيب،
ورأيك حق في عدم ذكره سيد درويش،
ربما لأنه عمل فصلاً كاملاً عنه في روايته "أهل البحر"،
وتكرر ذكره أكثر من خمسين مرة في هذه الرواية التي تقع في مجلدين كبيريْن،
وسأنشر لاحقاً هنا هذا الفصل.
مع التحية والتقدير

د. حسين علي محمد
20/05/2010, 01:42 PM
سيد درويش

فصل من رواية «أهل البحر» لمحمد جبريل،
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2009م.
........................................................

ولد سيد درويش البحر فى التاسعة صباح 17 مارس 1892 بحى كوم الدكة . والى البلاد الخديو عباس حلمى ، فى ظل الاحتلال الإنجليزى لمصر . أبوه المعلم درويش البحر النجار بكوم الدكة . كان يمتلك ورشة لصناعة الكراسى الخشبية . أمه ملوك بنت عيد . سيد هو الذكر الأول بعد ثلاث بنات : فريدة وستوتة وزينب . الأولى والثانية تزوجتا قبل مولده . وتزوجت الصغرى وهو فى العاشرة .
كتب فى مذكراته : " ولدت من أبوين فقيرين فى مدينة الإسكندرية . وكان والدى نجاراً بسيطاً ، يعمل لاكتساب لقمته بعرق جبينه ، على أنه كان كثير التقوى ، زاهداً ، قنوعاً فى الحياة . وكم كان يعاقبنى ـ منذ نعومة أظافرى ـ على ترك الصلاة ، وكان لا يلذ له شىء أكثر من أن يرانى حافظاً لكتاب الله الكريم ، ولهذا ما كدت أبلغ التاسعة من عمرى حتى أدخلنى أحد الكتاتيب ، وهناك ظللت أواصل حفظ القرآن الشريف وتجويده . ولما بلغت غايتى من ذلك ، توجهت بكلياتى إلى دراسة شىء قليل من أصول الموسيقى ، وتمييز النغمات الأولية بعضها عن بعض ، وخطر لى أن أحترف حرفة أخرى غير حرفة الفقهاء ، أضمن من ورائها القوت لنفسى . كان لوالدى صديق من خيرة أصدقائه ، يحكى عن نفسه أنه بدأ الحياة بناء بسيطاً ككل البنائين ، وأراد الله الخير ، فأصبح فى يوم من الأيام مقاولاً لا بأس بثروته . وهنا وضعت كل آمالى فى معونة ذلك المقاول ، وظللت ألح عليه فى الرجاء ، حتى أسلمنى إلى رجاله ، موصياً بتدريبى على صناعة البناء ، وكم كان شوقى شديداً لليوم الذى أتخرج فيه على أيديهم بناءً حاذقاً ، لكن القدر أراد لى خلاف ما ابتغيت لنفسى " .
الروايات تتحدث عن تلقى تعليمه الأولى بمدرسة حسن حلاوة . حفظ فيها القرآن والقراءة والكتابة ومبادئ الحساب . أحب ما كان يحفظه من الأناشيد والسلامات . انتقل ـ بعد عامين ـ إلى مدرسة " شمس المعارف " فى شارع الشمرلى ببحرى . لقنه المدرس نجيب أفندى فهمى ما كان يحفظه من ألحان سلامة حجازى .
مات أبوه سنة 1906 . صار سيد العائل الوحيد للأسرة . عمل فى محل لبيع الموبيليا مع زوج إحدى شقيقاته ، ثم عمل فى دكان للعطارة ، أغلقه ظهر جمعة لأداء الصلاة فى جامع أبو العباس . طلب منه إمام الجامع أن يقرأ سورة الكهف لتغيب القارئ . إجادته التلاوة كانت دافعاً له ، كى يتكسب من قراءة القرآن .
أغنيات سلامة حجازى هى أول ما حفظ سيد درويش . وكان يحرص على حضور حفلات سلامة حجازى فى مسارح الإسكندرية ..
اشتغل مغنياً فى فرقة كامل الأصلى بمقهى إلياس بكوم الناضورة . أدى أغنيات سلامة حجازى . عندما حلت الفرقة ، عمل مغنياً فى مقهى " أبو راضى " بالفراهدة ، لكن إقامته بها لم تطل . حاصرته الظروف ، فاشتغل مناولاً للبياض .
كانت معسكرات الإنجليز فوق كوم الدكة مشهداً يومياً ، يراه فى هبوطه إلى أحياء الإسكندرية ، وعودته منها .
ترك مقهاه فى كوم الدكة . هبط إلى المدينة . تردد على المقاهى وأماكن الطرب .
***
التحق سيد بالمعهد الدينى وهو فى الثالثة عشرة . أتاح له اقتراب المعهد من البحر والجوامع والزوايا وأضرحة الأولياء ومقاماتهم ، أن يشاهد الموالد وحلقات الذكر وحفلات الزفاف فى ساحة المرسى أبو العباس . أنصت إلى التلاوات القرآنية ، وإنشاد الموشحات ، والقصائد النبوية ، وأهازيج السحر ، وتواحيش رمضان .
كان يرافق صديقاً له يعزف مع الفرق الأجنبية . يجلس إلى جانب صديقه مع أفراد الأوركسترا . يتابع بروفاتهم وألحانهم على الأوبرات العالمية وعروض الباليه .
لاحظ أنه يطيل التوقف عند أصوات الباعة فى نداءاتهم على ما يبيعون . يكرر النداء ـ بينه وبين نفسه ـ ، يقلّبه ، يعيد ـ بدندنة يسمعها هو ـ تلحينه .
فطن إلى موهبته الموسيقية .
عمل مؤذناً لجامع الشوربجى بشارع الميدان ، وشارك بتلاوة آيات القرآن ، وإلقاء القصائد ، ورواية السيرة النبوية ، فى المناسبات السياسية والاجتماعية ، وفى السرادقات المقامة بالساحات أيام الأعياد ، وفى البيوت والمقاهى والحانات . قلد القارئ الشيخ حسن الأزهرى ، وقلد غناء سلامة حجازى ، وقرأ فى الموالد ، وفى الأفراح .
كان يخلى الطريق ـ أحياناً ـ لقدميه وأذنيه وحاسة الالتقاط فى داخله : نداءات الباعة ، رفع الأذان من مسجد قريب ، صرير عجلات الترام ، صياح مجذوب يهز مجمرة البخور ، تلاقى صافرات البواخر فى الميناء الغربية ، زحام الموالد والجلوات ، ألعاب الأولاد فى الحوارى والأزقة ، أغنيات الصيادين عند سحب الجرافة ، اختلاط أصوات الطيور على امتداد الساحل ، إيقاع صحن العطارة فى سوق الترك ..
طرد المعهد سيد درويش لعدم مثابرته على التعليم . وروى أن الحاجة المادية دفعته إلى ترك المعهد ، والعمل فى مهن عديدة .
المصادفة ـ وحدها ـ بدلت حياته . رآه الأخوان سليم وأمين عطا الله ، وهو يغنى ـ على السقالة ـ للفواعلية . عرضا عليه العمل بفرقتهما ، ومصاحبة الفرقة إلى حلب .
أمضى سيد درويش فى رحلة سوريا عشرة شهور ، عمل ـ بعدها ـ فى مقهى " شيبان " بجوار حلقة السمك القديمة .
***
أراد الشيخ سلامة حجازى أن يستمع إلى سيد درويش ..
قال سيد درويش لرسول الشيخ سلامة :
ـ أنا لا أنتقل من مكانى . إذا أراد الشيخ أن يسمعنى ، فليتفضل بالحضور إلى هذا المقهى ..
رفض سلامة حجازى أن ينصت لمن نصحوه بعدم الذهاب إلى سيد درويش .
التقيا فى قهوة شيبان ..
سأل سيد درويش ، وأجاب سلامة حجازى . تحدثا فى البشارف والرصد والبيات والهزام والصبا . غنى سيد درويش من ألحان سلامة حجازى ومحمد عثمان وعبده الحامولى ، وغنى الكثير من ألحانه ..
قال سلامة حجازى :
ـ أعجبتنى ألحانك .
قال سيد درويش :
ـ الجمهور يحب ما أغنيه من ألحان غيرى .
وتبدلت نبرة صوته :
ـ أظن أنى سأسير فى طريقك ..
ضحك الشيخ سلامة :
ـ تظن أم أن هذا هو ما تريده ؟
ـ أريده .. لكن الظروف قد لا تساعدنى ..
ـ من يمتلك ألحانك الجميلة لا تشغله الظروف ..
واحتواه بنظرة مشفقة :
ـ إذا طلبت نصيحتى ، فلا تغنى إلا ألحانك . ما لا يتذوقه الناس الآن سيقبلون عليه فيما بعد .
ثم فى نبرة محرضة :
ـ أنت صاحب ظروفك ؟
أعاد سيد درويش السؤال :
ـ هل تنصحنى بالسفر إلى القاهرة ؟
قال سلامة حجازى فى لهجة محملة بالإيماءات :
ـ كن الفنان الذى تريده فى أى مكان !
***
تنقل سيد درويش بين قهوة أبو راضى باللبان ، وقهوة أمينة المنصورية بالحى نفسه ، والقهوة العالية بميدان المحطة ، وقهوة السلام بالمنشية الصغرى ، والعديد من المقاهى فى كرموز ومحرم بك ، واشتغل كاتباً فى محل للأثاث يملكه صهره . ثم عاد إلى الغناء فى بار " كوستى " بشارع أنسطاسى .
سافر ـ للمرة الثانية ـ إلى الشام [ 1912 ] . حفظ الكثير من الأغانى والموشحات الأندلسية والأهازيج والأدوار والطقاطيق . عاد ـ بعد سنة ـ يحمل معه كتباً فى الموسيقا . لم يعتمد على موهبته وحدها . حرص أن يضيف إليها صقل الدراسة .
عمل فى قهوة السلام بميدان محمد على ، وفى مقاهى سلامون ، والمنصورة ، والشيبان ، والسلام ، ومقهى الحميدية بشارع التتويج ، وبار نيكولا ، وبار كوستى بشارع أنسطاسى .
عرف [ 1914 ] بوجود داود حسنى فى الإسكندرية . سعى للقائه ..
ـ أنا سيد البحر . أحب أنغامك ، وأقدر فنك ، وأحفظ أدوارك وأغنيها ..
ـ تهوى الفن ؟
ـ الفن الجميل .
وشاب صوته تحير :
ـ هل هناك وسيلة للاحتراف ؟
ـ أمامك كتب الموسيقا . اقرأ ، واستوعب ، واسمع كثيراً ، ثم حاول ..
أول أدواره : يا فؤادى ليه بتعشق . ياللى قوامك يعجبنى . عواطفك دى أشهر من نار . بالحب الهجر مايل . عشقت حسنك . لحّن : زورونى كل سنة مرة . يا ناس أنا مت فى حبى . يا عينى ليه تنظرى لأهل الجمال تانى .
كان تميزه فى التلحين ، وليس فى جمال الصوت ، ولا حسن الإنشاد .
***
رحل سيد درويش إلى القاهرة فى سنة 1916 . غنى ـ للمرة الأولى ـ فى كازينو البوسفور بميدان محطة العاصمة . سافر إلى القاهرة للتخلص من الغناء فى المقاهى ، وفى سرادقات الخلاء ، ولنسيان مطلقته التى كان يحبها . قدمه سلامة حجازى إلى جمهور المسرح بالقول : " احفظوا اسم هذا الشاب ، واذكروا أنى فخور به ، معتز بفنه ، ولنعلمن نبأه بعد حين " .
ذهب ـ بعد أيام من إقامته فى القاهرة ـ إلى قهوة " متاتيا " ، المواجهة لتياترو الأزبكية .
سأل :
ـ أين كان الأفغانى والإمام محمد عبده يجلسان إلى تلاميذهما ؟
أشار الجرسون إلى ركن فى القهوة . اتجه سيد درويش ناحيته . جلس ، وأغمض عينيه كالمتذكر .
عاود الجلوس فى الركن نفسه ، فترات الراحة من البروفات .
كتب ، ولحن ، لفرق الريحانى فى الإجبسيانا ، أمين صدقى فى كازينو باريس ، وفرق على الكسار وأولاد عكاشة ومنيرة المهدية . عبرت ألحانه عن حياته العاطفية ، فى طقاطيقه وأغنياته الفردية : وجوه وعيون ونهود وسيقان وتطلع واشتهاء وترفع وتذلل ، حياة عريضة فى سن قصيرة . نزع العمامة والقفطان ، وارتدى الطربوش والبدلة . أضاف الياقة والساعة ذات السلسلة .
كاد يعدل عن الزواج ، عندما أصر المأذون على تغيير مهنة الزوج .
ألح أهل العروس والأصدقاء ، حتى وافق سيد درويش على أن يستبدل كلمة مدرس بكلمة مزيكاتى .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
20/05/2010, 01:43 PM
***
لم تعد الموسيقا تقتصر على الشجن والوجد والهيام . دخلت مواضع لم تطأها من قبل . عبرت عن لحظات العمل والفرح والأمل والحزن والسعادة والحنين . انتقل من الموسيقى الزخرفية وفنيات التطريب ، إلى الموسيقى التعبيرية التى تبرز المعانى ، وتؤكدها ، معانى الكلمات وأجواء المشاهد . لم تعد مجرد تنغيم ، لكنه امتزاج بين الصورة المتخيلة وتجسيدها . المضحك أن تغنى قصيدة حزينة الكلمات بلحن راقص . لابد من صلة بين اللحن ومعانى الكلمات .
تعاقد مع فرقة الريحانى على أن يلحن استعراضاتها . البداية مسرحية اسمها " ولو " . كتب بديع خيرى أولى أغنياتها ، شكوى للسقايين : يعوض الله .. يهون الله .. ع السقايين .. دول غلبانين .. متبهدلين .. م الكبانية .. خواجاتها جونا .. دول بيرازونا .. فى صنعة أبونا .. ما تعبرونا يا خلايق .. حذف الربع تون من ألحان مسرحياته ، فيسهل عرضها بالآلات الغربية .
توقع الريحانى أن يأتى لحن سيد درويش معبراً عن المعنى . هو ـ من خلال سماعه لكل ألحانه ـ يجيد التعبير عن المعنى الكلى ، وعن الجملة والكلمة . امتلك قدرة مذهلة على تجسيد معانى الكلمات . عبر بالألحان عن المعانى . تصور الموقف . حاول أن يبين عن الملامح الظاهرة والنفسية . يستطيع المتلقى أن يلمسها بيده ، يراها بعينيه ، يشمها بأنفه .
قال الريحانى :
ـ المرء يدرك ـ من أول وهلة ـ ما يرمى إليه هذا الكلام عند سماع الأنغام .
لم يعد سيد درويش بالكلمات ـ ملحنة ـ فى الموعد المحدد . مضى ـ بعد ذلك ـ يوم ثان ، وثالث . بعث إليه الريحانى من يتعجل إنهاء اللحن . اعتذر سيد درويش بأن الأنغام لا تطاوعه . ترامى ـ وهو يتحدث ـ صوت سقاء ينادى : يعوض الله !
تنبه سيد درويش . أمسك بذراع محدثه ، وقال :
ـ خلاص .. خلاص .. لقيت اللحن اللى أنا عاوزه .
فى المساء ، جلس سيد درويش إلى الريحانى . احتضن عوده ، وعزف لحن السقايين.
ثم توالت الألحان .
عبر عن شكاوى العمال والحرفيين والموظفين : السقايين ، الشيالين ، المراكبية ، الجزارين ، الصنايعية ، الحمارين ، العربجية . تناول طوائف المجتمع المصرى فى ألحان عن البرابرة والسودانيين والمغاربة والصعايدة . تحدث عن معتقدات المصريين ، وعاداتهم فى الحب والخطوبة والزفاف والسبوع والختان .
أنتج كل ألحانه فى ست سنوات . كان يلحن خمس مسرحيات استعراضية فى يوم واحد . توزعت ألحانه بين جميع الفرق المسرحية بالقاهرة : الريحانى ومنيرة المهدية وعلى الكسار وترقية التمثيل العربى وكازينو دى بارى . لحن فى ست سنوات [ 1917 ـ 1923 ] ما يقرب من عشرين مسرحية ، بها أكثر من مائتى دور .
فى ثورة 1919 ، غنى له الناس فى الشوارع والمسارح والمقاهى ، وفى المظاهرات : قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك . احنا الجنود زى الأسود . بلادى بلادى ، لك حبى وفؤادى ..
حين عاد الموظفون إلى دواوين الحكومة ـ بعد إضرابهم عن العمل فى أحداث الثورة ـ كان القلق يداخلهم : هل ستقتطع سلطات الاحتلال من مرتباتهم أيام الإضراب ؟
لحن سيد درويش :
هز الهلال يا سيد كراماتك لاجل نعيّد
يكفى اللى حصل كام يـوم ووصـل
يا زرع بصل
مثل اللحن دافعاً لتدبر ما حدث ، والتطلع إلى المستقبل .
ويقول لحن سيد درويش على لسان الموظفين :
هديت وراق الحال .. ورجعنا للأشغـال .. دا الموظف منّا مش وش خناق ولا شومة .. لمّا يحمّر عينه .. والا يقوم له قومـــة.. حد الله ما بيننا وبينك .. غير حب الوطن يا حكومة ..
لكن نبرة اللحن تعلو بالقول :
عشرين يوم راحوا علينا
إن شا الله ياخدوا عنينـا
بس المقصود .. يبقى لنا وجود .. والدنيا تعود .
خسر الموظفون رواتبهم عن عشرين يوماً ، لكن المقابل ـ الذى يعتزون به ـ هو الحياة فى ظل الاستقلال والسلام .
***
فى 1921 كون سيد درويش فرقته الخاصة . قدمت مسرحيات " البروكة " و " العشرة الطيبة " و " شهرزاد " .
تغيرت حياة سيد درويش ، لكن ما انطبع فى نفسه من أيام الصبا فى بحرى لم يتغير . البحر ، والبلانسات ، والشاطئ الملاصق للبيوت ، وصافرات البواخر ، والقزق ، والشباك ، وصيد الجرافة ، وصيد الطراحة ، وأغنيات الصيادين ، وشمس الأصيل ، وصيد العصارى ، والموج الحصيرة ، والنوات ، والملاءات اللف ، والسراويل ، والأبو احمدات ، والفتوات ، وموالد الأولياء ، وحلقات الذكر والأدعية ، والابتهالات ، والجوامع ، والمساجد ، والزوايا ، والأضرحة ، ومقامات الأولياء ، وأهازيج السحر ، وتواحيش رمضان ..
***
طالعه ـ ذات مساء ـ ميدان محطة سكة حديد الإسكندرية ..
قدم من القاهرة لإعداد مظاهرة موسيقية ، تستقبل سعد زغلول فى عودته من المنفى ..
بدلاً من أن يميل إلى اليمين ، فى الطريق الصاعد إلى كوم الدكة ، جاوز الميدان إلى شارع شريف . يتأمل ـ بالحنين ـ ما غاب عن عينيه ، وإن لم يغب عن ذاكرته .
اتجه من ميدان محمد على إلى شارع الميدان . يستدعى الألحان التى أخذها من نداءات الباعة وتجار العجم والجرسونات والمغاربة والرشايدة والعربجية والحمّارين والجزارين والبويجية ، وغيرهم . ضمن أغنياته عبارات : القلل القناوى ، الفول السودانى ، صابحة الزبدة ، يا نواعم يا تفاح ، أنا بابيع الغربال ، يا بلح زغلول ، يا لذيذ يا أخضر ..
شارع الميدان غارق فى زحامه : أجساد المارة ، والعربات ، وباعة الخضراوات ، والفاكهة ، والأسماك ، والممبار ، والكلاوى ، والفشة ، ولحمة الرأس ، والطحال ، وطبالى السمك ، وقروانات أم الخلول ، والقراميط يلعلط فى طست مستدير ممتلئ بالماء ، وأقفاص الطيور ، وباعة الحلوى ، والسجاجيد المتباينة الألوان ، والحصر ، والأوعية البلاستيك ، والطاولات ، والتند ، والأوانى ، والقدور ، والصناديق الخشبية ، والأقفاص ، والقفف ، والمقاطف ، والسلال ، والأسبتة ، والغلقان ، والزلع ، والطسوت ، وصناديق الرنجة ، وبرطمانات المخلل والزيتون ، وباعة الملابس الداخلية ، والكتب ، والعاديات ، والعطور ، والبخور ، والعطارة ، والأعشاب ، والمقويات الجنسية ، والفجل والكرات والبصل الأخضر والخس والليمون .
أطال الوقفة على رصيف الميناء . يتأمل البواخر الراسية ، والمتناثرة فى المدى . يتخيل تلويحة يد سعد زغلول وهو على ظهر الباخرة القادمة من أوروبا ، إنشاد المستقبلين لألحانه ـ هو الذى ألف الكلمات ـ ترحيباً بمقدم الزعيم :
مصرنا وطنّا .. سعدنــا أملنا
كلنا جميعاً .. للوطـن ضحية
أجمعت قلوبنا .. هلالنا وصليبنا
أن تعيش مصر عيشة هنيـة
عزّك حياتنـا .. ذلّك مماتنــا
يا مصر بعدك مالناش سعادة
لولا اعتقادنـا .. بوجود إلهنـا
كنا عبدنـا .. النيل عبـادة
حبك كفاية .. ما لوش نهايــة
كله مزايا من فضـل ربى
مهما آسينا .. مفروض علينـا
موت المجاهد من غير ذنب
مصر وطننا .. سعدها أملنا
تابع البكباشى حمدى درويش تحفيظ سيد درويش لحن استقبال التلاميذ لسعد زغلول . مال عليه بصوت هامس :
ـ ما رأيك فى مائة جنيه ولقب مطرب السلطان ؟
ثم فى لهجة محرضة :
ـ تنشد هذا اللحن فى قصر رأس التين ، أمام جلالة السلطان فؤاد .
قال سيد درويش وهو يربت صدره :
ـ يسعدنى الغناء دون مقابل فى حضرة مولانا ..
غالب حمدى درويش توتراً :
ـ فقط تضع كلمة فؤاد بدلاً من كلمة سعد . تصبح العبارة فؤادها أملنا ..
قال سيد درويش فى نبرة معتذرة :
ـ حفظ الأولاد النشيد بالكلمات التى تطلب استبدالها ..
واصطنع ابتسامة شاحبة :
ـ قد أوافق .. لكن هل يوافق الأولاد ؟
بعد أن اطمأن سيد درويش إلى توقع اكتمال الصورة ، عاد من الشوارع نفسها إلى كوم الدكة ..
***
مات سيد درويش بالإسكندرية فى 15 سبتمبر 1923 ، ودفن فيها . كان فى سنته الواحدة والثلاثين .
لم يكن يمتلك فى نهايات حياته [ كم كانت قصيرة ! ] سوى عوده ، وفونوغرافه القديم . نزعت عنه أسرته خاتمه من يده . دفعت ثمنه ـ بضعة جنيهات ـ لتغطية مصاريف الدفن . كان قد أنفق كل ما ادخره على فرقته الخاصة التى قدمت مسرحيته الموسيقية " شهرزاد " .
أوصى أن يكتب على شاهد القبر :
يا زائــرى لا تنسنى من دعوة صالحــة
وارفع يديك إلى السماء واقرأ لروحى الفاتحة
روى أحمد المسيرى أنه أمضى مع سيد درويش ليلته الأخيرة . لم يكن يبدو عليه المرض ، ولا النظرة التى ـ يعرفها جيداً ـ تشى بالتهيؤ للموت .
.........................
انظر : أبو حلاوة ـ أحمد المسيرى ـ حمدى درويش ـ سلامة حجازى .

نجوى شريف
20/08/2010, 08:30 PM
لن يكون بوسعك أن تكتب رداً، لا بأس..

المهم أنك، عليك الرحمة، تقرأ..

لقد أتحفتنا بهذه النصوص السردية فلتكن في ميزان حسناتك إن شاء الله